جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

حين تتحول المنصات الإلكترونية إلى ساحات لمحاكمة الناس… من يحمي هيبة القضاء؟

بقلم: الإعلامي المتخصص (م.ع)

لم يعد مستغرباً أن تتحول بعض المنصات الإلكترونية إلى فضاءات لتصفية الحسابات، واستباق الأحكام القضائية، وتوجيه الرأي العام نحو رواية واحدة، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حدود المسؤولية الإعلامية واحترام استقلال السلطة القضائية.

ففي الوقت الذي لا يزال فيه أحد الملفات العقارية الرائجة أمام المحكمة الابتدائية بمراكش ينتظر كلمة القضاء، اختارت إحدى القنوات الإلكترونية بمدينة مراكش أن تجعل من هذا النزاع مادة للبث المباشر، مقدمة رواية طرف واحد، ومتضمنة تصريحات وانتقادات وادعاءات قبل أن تقول المحكمة كلمتها النهائية.
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس مجرد تناول قضية معروضة على القضاء، وإنما محاولة صناعة رأي عام موازٍ للمسار القضائي، وكأن منصات التواصل أصبحت بديلاً عن قاعات المحاكم، أو أن البث المباشر أصبح وسيلة لإصدار الأحكام قبل القضاة.
إن العمل الإعلامي المهني لا يقوم على الإثارة أو استدرار التعاطف، بل على التحقق من الوقائع، والاستماع إلى جميع الأطراف، واحترام قرينة البراءة، والامتناع عن تقديم الادعاءات باعتبارها حقائق ثابتة. فالمحكمة وحدها هي صاحبة الاختصاص في فحص الوثائق، وتقييم الأدلة، والفصل في النزاعات.
ويؤكد متابعون للملف أن لديهم وثائق ومعطيات سيضعونها أمام الجهات المختصة في إطار القانون، معتبرين أن الحقيقة لا تُبنى على ما يقال في البث المباشر، وإنما على ما يثبت أمام القضاء وفق المساطر القانونية.
كما يثير هذا الملف نقاشاً أوسع حول مسؤولية بعض المنابر الإلكترونية في احترام أخلاقيات المهنة، وعدم استغلال القضايا الرائجة لتحقيق نسب مشاهدة أو إثارة الجدل، لأن الرسالة الإعلامية الحقيقية تقوم على خدمة الحقيقة، لا على توجيه الرأي العام أو التأثير في مجرى العدالة.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى ترسيخ إعلام مسؤول يلتزم بالقانون، ويحترم استقلال القضاء، ويعي أن الكلمة المنشورة قد تؤثر في سمعة الأشخاص وثقة المواطنين في المؤسسات.
وفي النهاية، ستظل المحكمة وحدها صاحبة الكلمة الفصل، أما كل ما يُتداول خارج أسوار العدالة فلا يعدو أن يكون تصريحات أو روايات تبقى خاضعة للتمحيص القانوني، إلى أن يصدر الحكم القضائي الذي يحسم النزاع وفق الأدلة والوثائق، لا وفق الانطباعات أو الحملات الإعلامية.