جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

جامعة ابن زهر تحتفي بمناقشة رسالة ماستر في التاريخ

lepointdiplomatique

نوقشت، صبيحة يوم السبت 27 يونيو 2026م، الموافق لـ11 محرم 1448هـ، بجامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، رسالةُ الماستر في شعبة التاريخ، التي تقدم بها الباحث عبد الله السلامي، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة لطيفة شراس، أستاذة التعليم العالي بجامعة ابن زهر – أكادير، بعنوان:

“المقدس الصوفي في مجال وادي نون: دراسة سوسيو-تاريخية”.

وتكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة الأفاضل:

الدكتور سويلام بوغدا، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر، رئيسًا.
الدكتورة لطيفة شراس، أستاذة التعليم العالي بجامعة ابن زهر، مشرفة.
الدكتور أحمد الشايخي، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر، مقررًا.
وفيما يأتي ملخص ما جاء في التقرير الذي قدمه الطالب بين يدي اللجنة العلمية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السيد رئيس لجنة المناقشة المحترم،
السادة أعضاء لجنة المناقشة الأفاضل،
الزملاء الأعزاء،
الحضور الكرام،
أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في مستهل هذا اللقاء المبارك، يشرفني أن أقف بين أيديكم اليوم لتقديم حصيلة بحثي المعنون بـ “المقدس الصوفي في مجال وادي نون: دراسة سوسيو-تاريخية”. لكن، قبل الشروع في توضيح مضامينه وفصوله، لا بد أن أعبر عن بالغ امتناني وعميق تقديري للأستاذة الفاضلة الدكتورة لطيفة شراس، على ما بذلته من جهد مشكور، ومتابعة دؤوبة، وملاحظات قيمة، أسهمت بشكل كبير في تهذيب هذا العمل وإخراجه بالصورة التي يُعرض بها أمامكم.

كما أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى السادة أعضاء اللجنة الكريمة: الأستاذ الدكتور سويلام بوغدا، رئيسًا، والأستاذ الدكتور أحمد الشايخي، مقررًا، على تفضلهم بقبول مناقشة هذا العمل وقراءته.
ولا يفوتني أن أعبر عن خالص شكري وامتناني العميق للأستاذ الفاضل الدكتور عبد العزيز ياسين، منسق ماستر “المغرب وإفريقيا: تاريخ وتراث”، على مواكبته الأكاديمية الدائمة، وتوجيهاته القيمة لنا طيلة سنتي التكوين والبحث.
كما أتوجه بالشكر إلى جميع أساتذة شعبة التاريخ الأفاضل، الذين نهلنا من علمهم وتتلمذنا على أيديهم منذ مرحلة الإجازة إلى غاية هذا التكوين المعمق، وأثمن عاليًا حضور أستاذنا الكريم معنا اليوم.

وأشكر كذلك جميع الحضور الكرام، من زملاء وأصدقاء من مختلف التخصصات والشعب، على تكرمهم بهذا الحضور الكريم، كل باسمه وصفته.

أما بخصوص موضوع البحث، فقد جاء ضمن الدراسات التاريخية والسوسيولوجية المهتمة بتحليل الظاهرة الدينية بالمغرب، ولا سيما داخل المجالات شبه الصحراوية، التي شكلت عبر التاريخ فضاءات خصبة لانتشار التصوف والزوايا والأضرحة والمواسم الدينية.
وتكمن أهمية الموضوع في كونه يحاول دراسة المقدس الصوفي، لا باعتباره مجرد ممارسة دينية معزولة، بل بوصفه بنية اجتماعية ورمزية أسهمت في تنظيم المجتمع المحلي، وإنتاج أشكال متعددة من السلطة الرمزية داخل المجال.

كما تنبع أهمية هذا الموضوع من خصوصية مجال وادي نون، باعتباره فضاءً رابطًا بين سوس والصحراء، ومجالًا عرف انتشار العديد من الرباطات والزوايا والأضرحة والمواسم، التي أسهمت في تشكيل ما يمكن تسميته بالخريطة الصوفية للمجال.
وعلى المستوى الجغرافي، تناول البحث مجال وادي نون باعتباره فضاءً يمتد بين السفوح الجنوبية الغربية للأطلس الصغير والمجالات الصحراوية جنوبًا، وهو مجال عرف تاريخيًا حضور قبائل تكنة، ويتموقع بين الواجهة الأطلسية غربًا، والكتلة الجبلية للأطلس الصغير شمالًا، والصحراء جنوبًا.

أما من حيث الزمن، فقد اعتمد البحث مقاربة الزمن الطويل كما بلورها فرناند بروديل، من خلال دراسة البنيات المرتبطة بالمقدس الصوفي في امتدادها التاريخي واستمراريتها عبر الزمن، باعتبار أن الزمن الطويل هو تاريخ البنيات.
وانطلقت الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:
إلى أي حد أسهم المقدس الصوفي في تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والرمزية بمجال وادي نون؟ وكيف حافظ على استمراريته وتحولاته عبر الزمن؟

وتفرعت عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية، ارتبطت بالخصوصيات الجغرافية والبشرية التي أطرت تشكل الخريطة الصوفية بالمجال، وآليات بناء السلطة الرمزية المرتبطة بالمقدس، إضافة إلى دراسة التجليات المجالية والقبلية للمواسم الدينية، ودور الاقتصاد الرمزي في استمرارية المقدس الصوفي.

ويرجع اختيار هذا الموضوع إلى مجموعة من الاعتبارات، من أهمها:

الأهمية العلمية التي يكتسيها موضوع المقدس الصوفي، باعتباره مدخلًا لفهم البنيات الاجتماعية والرمزية للمجتمع المحلي.
محدودية الدراسات المتخصصة التي تناولت وادي نون من زاوية المقدس الصوفي.
غنى المنطقة بموروث روحي وثقافي ما يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية.
كما يرتبط اختيار الموضوع بدافع ذاتي، يتمثل في اهتمامي السابق بهذا الموضوع منذ مرحلة الإجازة، ورغبتي في تعميق البحث فيه ضمن سلك الماستر.
واعتمد البحث على مقاربة سوسيو-تاريخية منفتحة على التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الدينية، مع توظيف المنهج التاريخي لتتبع الظاهرة في زمنها الطويل، والمنهج الوصفي التحليلي لدراسة التمثلات والوظائف المرتبطة بالمقدس الصوفي.
كما اعتمدت الدراسة على مادة مصدرية متنوعة، شملت الرواية الشفوية، والمناقب، والنوازل الفقهية، إضافة إلى بعض المصادر التاريخية، فضلًا عن المعاينة الميدانية لبعض المواسم والزوايا والأضرحة.
أما فيما يخص الدراسات السابقة، فقد استفاد البحث من مجموعة من الدراسات الأجنبية التي اهتمت بالمقدس والمواسم بالمغرب، من بينها أعمال إدوارد ويسترمارك وفينيك ريسو، إضافة إلى دراسات حديثة تناولت وادي نون من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
غير أن أغلب هذه الدراسات تناولت المقدس الصوفي بصورة جزئية، أو باعتباره عنصرًا ثانويًا ضمن دراسات اقتصادية أو مونوغرافية، وهو ما حاول هذا البحث تجاوزه من خلال دراسة المقدس الصوفي باعتباره موضوعًا مستقلًا داخل مجال وادي نون.
وقد قُسِّم البحث إلى مدخل وفصلين رئيسيين؛ خُصِّص المدخل للإطار المفاهيمي والمجالي، من خلال تحديد المجال الجغرافي والبشري والتاريخي لوادي نون، إلى جانب ضبط المفاهيم المرتبطة بالمقدس الصوفي.
أما الفصل الأول، فقد تناول الخريطة الصوفية لمجال وادي نون، من خلال دراسة نشأة الرباطات والزوايا والأولياء، وتحليل بنية المقدس ووظائفه داخل المجتمع المحلي.

بينما خُصِّص الفصل الثاني لدراسة المواسم الدينية بمجال وادي نون، عبر تناول الإطار المفاهيمي والتاريخي للموسم، ثم دراسة بعض المواسم بالمجال، وتحليل وظائفها الاجتماعية والاقتصادية والرمزية.

وخلص البحث إلى أن المقدس الصوفي شكل عنصرًا أساسيًا في بناء المجال الاجتماعي والرمزي بوادي نون، وأن الزوايا والأضرحة والمواسم لم تكن مجرد فضاءات دينية، بل كانت، وما تزال، مؤسسات أسهمت في إنتاج السلطة الرمزية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجال.

كما أظهرت الدراسة أن المواسم شكلت فضاءات لإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية، وتقوية الروابط الاجتماعية والاقتصادية، وأن المقدس الصوفي استطاع الحفاظ على استمراريته بفضل قدرته على التكيف مع التحولات التي عرفها المجال، حيث اكتسب في كثير من الأحيان طابعًا فولكلوريًا يغلب عليه البعد الاحتفالي والفرجوي.

وفي الأخير، يبقى هذا العمل محاولة للإسهام في إعادة قراءة تاريخ وادي نون من زاوية البنيات الرمزية والدينية، وفتح آفاق جديدة لدراسة المقدس الصوفي داخل المجالات الصحراوية وشبه الصحراوية.

وفي الختام، أؤكد استعدادي الكامل للإنصات إلى ملاحظات لجنة المناقشة، سواء كانت معرفية أم منهجية، من أجل تجويد هذا العمل وإغنائه.

وبعد العرض والمناقشة والمداولة، مُنح الطالب الباحث درجة الماستر في شعبة التاريخ بميزة حسن جدًا.