استقلالية النقابة خط أحمر.. دعوات إلى التصدي لمحاولات الالتفاف على إرادة الصحافيين وإضعاف التنظيم النقابي
تتجاوز معركة النقابة ضد مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة حدود الخلاف حول مقتضيات قانونية أو تباين في وجهات النظر، لتشكل محطة أساسية في الدفاع عن استقلالية المهنة وحق الصحافيين في تدبير شؤونهم المهنية والتنظيمية بعيداً عن الوصاية ومحاولات التحكم وفرض الأمر الواقع.
وفي خضم هذه المعركة، اختارت النقابة المواجهة والدفاع عن استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة، رافضةً الرهانات التي كانت تراهن على المقاطعة والانسحاب من المؤسسات، بما قد يفتح المجال أمام أطراف أخرى للانفراد بتقرير مستقبل القطاع، في غياب مشاركة الصحافيين ودفاعهم عن حقوقهم ومصالحهم المهنية.
وتؤكد المواقف التي تبنتها النقابة خلال هذه المرحلة أن استقلالية القرار النقابي ليست مجرد شعار، بل خيار نضالي يستلزم الثبات في المواقف والقدرة على مواجهة الضغوط، مع التشبث بالدفاع عن كرامة الصحافيين وحقهم في تنظيم مهني مستقل وديمقراطي.
وفي المقابل، فإن الاختلاف حول المواقف والتقديرات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستهداف التنظيم النقابي أو التشويش على مؤسساته وقيادته. فالنقد المسؤول يظل حقاً مشروعاً وضرورة لتطوير الأداء، غير أن توظيف الخلافات لتصفية الحسابات أو التأثير في استقلالية القرار النقابي يطرح تساؤلات بشأن حدود الممارسة الديمقراطية داخل القطاع.
ومع تصاعد النقاش حول مستقبل التنظيم النقابي، تبرز أهمية تحصين وحدته الداخلية وحماية مؤسساته من كل أشكال التوظيف التي قد تتعارض مع مصالح الصحافيين وتطلعاتهم. فالنقابة ليست ملكاً لأشخاص، ولا مجالاً للمساومة على المبادئ، بل إطار جماعي يستمد قوته من استقلالية قراره، ومن التزامه بالدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية لأعضائه.
ويقتضي ذلك أن تتم معالجة الاختلافات الداخلية وفق القواعد الديمقراطية والضوابط التنظيمية المعتمدة، بعيداً عن حملات التشويش أو التأثيرات الخارجية. كما أن الانتماء النقابي يرتب مسؤوليات والتزامات تفرض احترام المؤسسات، والاحتكام إلى آليات اتخاذ القرار الجماعي، وصون إرادة المناضلات والمناضلين.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العمل النقابي لا يكمن في وجود اختلافات داخلية، باعتبارها أمراً طبيعياً في أي تنظيم ديمقراطي، بل في إمكانية توظيفها لإضعاف المؤسسات أو إفراغ العمل النقابي من مضمونه، وتحويله إلى واجهة شكلية تخضع لتوجيهات خارجية أو لحسابات ضيقة لا تخدم مصالح الصحافيين.
وقد أبرزت المواجهة المتعلقة بمشروع قانون المجلس الوطني للصحافة أهمية وجود تنظيم نقابي مستقل وقادر على الدفاع عن اختياراته ومواقفه. فالترافع من أجل التنظيم الذاتي للمهنة لا يمكن أن يستقيم في ظل الانسحاب من ساحات النقاش والتأثير، بل يتطلب مشاركة فعالة، ووضوحاً في المواقف، وقدرة على التمييز بين النقد البناء والممارسات التي قد تؤدي إلى إرباك التنظيم وإضعاف دوره.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية أعضاء النقابة، بمختلف مواقعهم التنظيمية، في تعزيز وحدة الصف، واحترام استقلالية القرار، والتمسك بالمبادئ الديمقراطية في تدبير الخلافات. كما تقتضي الحكامة التنظيمية التعامل مع أي إخلال بالالتزامات وفق المساطر المعتمدة، استناداً إلى الوقائع والأدلة، وبعيداً عن الاتهامات غير المثبتة أو الحسابات الشخصية.
ولا يمكن السماح بتحويل المعركة من دفاع عن استقلالية المهنة وحقوق الصحافيين إلى صراع على المواقع والنفوذ، أو إلى وسيلة للالتفاف على الإرادة الجماعية. فجوهر الرهان يتمثل في حماية استقلالية القرار النقابي، وصيانة حرية الصحافة، وتعزيز ديمقراطية التنظيم، ورفض كل أشكال الوصاية التي من شأنها المساس بحق الصحافيين في تدبير شؤونهم المهنية باستقلالية.
إن قوة النقابة لا تتجلى فقط في قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية، بل أيضاً في قدرتها على تحصين مؤسساتها، واحترام قواعدها الداخلية، وتدبير اختلافاتها بروح ديمقراطية مسؤولة، بما يضمن استمرارية دورها في الدفاع عن المهنة وصون كرامة العاملين فيها.
وعليه، فإن حماية استقلالية النقابة مسؤولية جماعية تستوجب اليقظة التنظيمية، والاحتكام إلى المؤسسات، ورفض أي محاولة لتوظيف العمل النقابي في خدمة أجندات ضيقة، مع ضمان الحق في النقد والمساءلة وفق الضوابط الديمقراطية والقانونية.
استقلالية النقابة ليست امتيازاً لقيادتها، بل حق جماعي لأعضائها ومسؤولية مشتركة في الدفاع عنها. ومن هذا المنطلق، فإن صون القرار المستقل واحترام المؤسسات والوفاء لقضايا الصحافيين تشكل جميعها مرتكزات أساسية لبناء تنظيم نقابي قوي وديمقراطي، قادر على مواجهة تحديات القطاع والدفاع عن حقه في التنظيم الذاتي بعيداً عن التحكم والوصاية.