جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

البرلمان للكفاءات لا للترند والصراخ.. عبدالله العبادي يكتب عن أزمة الاختيار الحزبي ومعايير التمثيلية

البرلمان للكفاءات لا للترند والصراخ والموضة
بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية

حين تتحول بعض المشاهد السياسية إلى إساءة للديمقراطية، فاعلم أن رفع الشعارات والصراخ لا يعني بالضرورة تبني أفكار ومبادىء تخدم المجتمع والدولة، أو تؤدي إلى بناء مشهد سياسي ديمقراطي، وليس كل ما يرفع من شعارات باسم الديمقراطية هو ديمقراطي في الأساس.
لم تكن قبة البرلمان يوما واجهة للعرض، ولا منصة لاستعراض الأزياء، ولا خشبة لصناعة الترند. البرلمان مؤسسة دستورية، قبة للتشريع والرقابة ومساءلة الحكومة، وتمثيل الأمة. فأين نحن اليوم من هذه الأهداف؟
مشكلتنا اليوم، أن هناك من يترشح للبرلمان، وهو لا يملك فكرة عن الدستور، ولا عن قانون المالية، ولا عن آليات التشريع، فالعيب ليست فيه، بل في الحزب الذي زكاه، الحزب الذي يبحث عن من يجلب الأصوات، عن أرقام وأعداد في البرلمان، بدل البحث عن من يصنع الأفكار ويحمل مشروعا، وما نراه اليوم هو انحراف خطير عن جوهر التمثيلية.
الوطن والمجتمع بحاجة لكفاءات قادرة على تفكيك البرنامج الحكومي 2026-2031، ومساءلة الوزراء عن الاختلالات، واقتراح تعديل قانون، وليس التقاط سيلفي من قبة البرلمان، أو اعتبار جلسات البرلمان فرصة للقاء الأحبة وشرب الشاي.
بعض الأحزاب اعتبرت البرلمان مكافأة نهاية الخدمة لممثل أو ممثلة أو مؤثر أو يوتيوبر مشهور. البرلمان هو تكليف ثقيل، إنه أمانة شعب كامل، أمانة أمة ومملكة، والناخب الذي يصوت لهؤلاء يخذل مستقبل أبنائه.
فحين فشلت الأحزاب في تأطير الشباب، وصناعة رجالات دولة متمرسة ومجربة، تلجأ الأحزاب في كل محطة انتخابية إلى استقطاب أشخاص جاهزين، ظنا من الأحزاب أن ملايين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي سيفي بالغرض الانتخابي، ويترجم في أذهانهم بآلاف الأصوات، هذه ليست استراتيجية، بل هي إفلاس سياسي ووهم انتخابي بامتياز.
إلا أن البرلمان يخسر الكثير في هذه الحالة، فكيف يكون رد فعل مواطن حين يرى نائبا لا يميز بين مقترح قانون ومشروع قانون، ولا يحضر اللجان، هنا تسقط الثقة. فالقوانين في البرلمان لا تُكتب باللايكات ومناقشة الميزانية تحتاج لاقتصادي، ومناقشة العدل تحتاج لحقوقي، ومناقشة التعليم تحتاج لخبير تربوي. الاستعراض لا يصنع قانونا، هذه هي الحقيقة المؤلمة.
نحن لسنا ضد المؤثرين والممثلين، حتى لا يفهم تحليلنا في غير موضعه، بل المطلوب وضع حد فاصل لهذا العبث، ومرحبا بمن يحمل مشروع فكري وسياسي وليس فقط آلاف المعجبين والمتابعين، والأحزاب تتحمل مسؤولية ذلك في طريق بحثها عن فرق برلمانية فقط متجاهلة ما يحمله هؤلاء المنتخبون من فكر، فمن يملك عشرات الآلاف من المتابعين مكانه مواقع التواصل الاجتماعي وليس مؤسسات تشريعية.
هناك فنانون ومؤثرون وطنيون وكفاءات حقيقية، إن الفنان المثقف الذي له موقف ورؤية سياسية مرحب به، والمؤثر الذي يحمل مشروعا مجتمعيا وله تكوين أكاديمي مرحب به أيضا. لكننا نرفض من يعتبر البرلمان ترند جديد، أو محتوى جديد بعد انتهاء صلاحية المحتوى السابق، البرلمان من أسمى المؤسسات الدستورية وله حرمته ويضم ممثلي الأمة والساهرين على مصالحها.
المطلوب مستقبلا، إعادة النظر في قانون الانتخابات للرفع من مستوى الكفاءات، من اجل برلمان قوي، والحاجة إلى أحزاب وطنية حقيقية تقول لا للمترشحين الفارغة عقولهم، وحاجتنا أيضا لناخب واعٍ يميز بين من يضحكه على الشاشات، ومن يدافع عنه تحت قبة البرلمان.
فمصير الوطن يجب أن يكون بأيادي أمينة، قادرة على إحداث الفرق، وحمل رؤى وأفكار جديدة ومؤمنة بمشاريع الدولة وملمة بملفات إقليمية ودولية، ولها من الخبرة والتجربة ما يمكنها من أداء عملها التمثيلي على أحسن وجه، والدفاع عن المواطن وقضاياه بمسؤولية كبيرة.