جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

الصحافة المغربية في عهد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: هل تنتهي سنوات التهميش وتستعيد «السلطة الرابعة» مكانتها؟

بقلم: الأستاذ محمد عيدني المصدر: جريدة أصوات | أخبار عامة | 9 أكتوبر 2026

تقف الصحافة المغربية أمام مرحلة مفصلية تطرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل القطاع، في ظل التحديات الاقتصادية والمهنية التي تواجه المقاولات الإعلامية والصحفيين. ومع الحديث عن المرحلة الحكومية المقبلة، تتجدد الآمال في إطلاق إصلاحات تعيد الاعتبار للإعلام الوطني، وتعزز استقلاليته، وتكرس دوره في مواكبة السياسات العمومية ومساءلة المؤسسات. غير أن تحقيق هذه التطلعات يظل رهيناً بمدى قدرة الحكومة على معالجة الاختلالات البنيوية التي راكمها القطاع، وتوفير بيئة مهنية واقتصادية تضمن حرية الصحافة واستمراريتها.

لقد أفرزت الصعوبات التي واجهتها الصحافة خلال السنوات الماضية واقعاً مهنياً معقداً، تتداخل فيه الأزمات المالية مع إشكالات التدبير والحماية الاجتماعية والاستقلالية التحريرية. وتجد العديد من المقاولات الإعلامية نفسها أمام تحديات متزايدة للحفاظ على استمراريتها، في حين يواجه عدد من المراسلين والمصورين الصحفيين ظروف عمل هشة، تتسم بعدم الاستقرار المادي وضعف الحماية الاجتماعية، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالتغطية الميدانية.

ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود الوضع الاجتماعي للصحفيين أو القدرة المالية للمؤسسات، بل تمتد إلى جودة المنتوج الإعلامي وتنوعه، وإلى قدرة المنابر الصحفية على أداء دورها الرقابي باستقلالية. فحين تصبح الاستمرارية الاقتصادية هاجساً يومياً، تتزايد الحاجة إلى ضمانات تحمي القرار التحريري من الضغوط، وتتيح للمؤسسات الإعلامية التركيز على العمل المهني القائم على التحقق من المعلومات، والتحليل، والاستقصاء، وخدمة المصلحة العامة.

إصلاح الدعم واستعادة استقلالية القرار التحريري

تواجه الحكومة المقبلة، وفقاً للتحديات المطروحة في النقاش المهني، مسؤولية صياغة رؤية إصلاحية متكاملة للقطاع، تتجاوز مجرد إعادة النظر في آليات الدعم المالي إلى معالجة الأسباب التي تجعل عدداً من المقاولات الصحفية عرضة للهشاشة الاقتصادية.

ويقتضي هذا التوجه إرساء قواعد واضحة وشفافة لتوزيع الدعم العمومي، على أساس معايير موضوعية تراعي الجودة المهنية، والاستدامة الاقتصادية، واحترام أخلاقيات المهنة، مع ضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات المستفيدة. كما يتطلب الأمر الفصل بين الدعم باعتباره آلية للمواكبة الاقتصادية، وبين أي محاولة محتملة للتأثير في الخط التحريري أو توجيه المواقف الصحفية.

فالصحافة المستقلة لا تُقاس بقدرتها على إعادة نشر البلاغات الرسمية فحسب، بل بمدى إسهامها في تقديم المعلومات الدقيقة، وطرح الأسئلة الضرورية، وكشف الاختلالات، وإتاحة المجال أمام تعدد الآراء. ومن هذا المنطلق، فإن وجود إعلام نقدي ومسؤول لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مصدر إزعاج للمؤسسات، بل بوصفه عنصراً مساهماً في تحسين الأداء العمومي وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

إن قوة المؤسسات لا تتجلى في غياب الانتقادات الموجهة إليها، بل في قدرتها على التفاعل معها بموضوعية، وتوضيح مواقفها، وتصحيح الاختلالات التي تثبت صحتها. ولذلك، فإن حماية استقلالية الصحافة تشكل أحد الشروط الأساسية لبناء علاقة متوازنة بين الإعلام والسلطة التنفيذية.

الانفتاح الحكومي وحق الوصول إلى المعلومة

يمثل التواصل الحكومي أحد المؤشرات المهمة التي يمكن من خلالها تقييم طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام. فإتاحة المعلومات، وتنظيم اللقاءات الصحفية المنتظمة، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالسياسات العمومية، كلها ممارسات من شأنها تعزيز الشفافية وتوسيع دائرة النقاش العام.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تجاوز أساليب التواصل التي تكتفي بعرض المواقف الرسمية دون إتاحة المجال الكافي للمساءلة والنقاش. فالصحفي لا يؤدي دوره كاملاً بمجرد نقل التصريحات، بل يحتاج إلى بيئة تتيح له التحقق من المعطيات، ومقارنة الوعود بالنتائج، وطرح الأسئلة التي تعكس انشغالات المواطنين.

كما أن تفعيل الحق في الحصول على المعلومات يظل مدخلاً أساسياً لتطوير العمل الصحفي، شريطة احترام الضوابط القانونية ذات الصلة. فكلما توفرت المعطيات الرسمية في الوقت المناسب وبصورة واضحة، تعززت قدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج محتوى دقيق، وتراجعت مساحة الالتباس والتأويل غير المستند إلى أدلة.

ولا يعني الانفتاح الحكومي التخلي عن حق المؤسسات في الدفاع عن سياساتها أو توضيح اختياراتها، بل يقتضي بناء علاقة مهنية تقوم على احترام الأدوار المتبادلة، بحيث تقدم الحكومة المعلومات والتوضيحات اللازمة، وتحتفظ الصحافة بحقها في التحليل والنقد والمساءلة.

كرامة الصحفي أساس إعلام وطني قوي

لا يمكن الحديث عن صحافة قوية ومستقلة دون التوقف عند الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع. فالمراسلون والمصورون والصحفيون الميدانيون يمثلون حلقة أساسية في إنتاج الأخبار ونقل الوقائع، غير أن طبيعة عملهم تفرض في كثير من الأحيان مواجهة ظروف صعبة ومخاطر مهنية تتطلب حماية قانونية واجتماعية مناسبة.

ومن هنا، تبرز أهمية تحسين شروط العمل، وتعزيز التغطية الاجتماعية، وضمان حقوق العاملين، ومحاربة الممارسات التي تؤدي إلى هشاشة التشغيل أو إضعاف الاستقرار المهني. كما أن تطوير التكوين المستمر، وتشجيع التخصص الصحفي، والارتقاء بمعايير الجودة والتحقق، من شأنه أن يعزز قدرة المؤسسات الإعلامية على مواجهة التحولات الرقمية والمنافسة المتزايدة.

إن الاستثمار في الموارد البشرية لا يقل أهمية عن الدعم المالي للمقاولات، لأن جودة الصحافة ترتبط أساساً بكفاءة الصحفيين واستقلاليتهم وقدرتهم على ممارسة مهامهم في ظروف تحفظ كرامتهم المهنية.

وفي المقابل، تظل المسؤولية المهنية والأخلاقية عنصراً لا غنى عنه في هذا المسار، إذ يتعين على المؤسسات الإعلامية الالتزام بالدقة والتحقق من الأخبار واحترام حقوق الأفراد، بما يعزز ثقة الجمهور في الصحافة ويحصنها من الأخبار المضللة والممارسات غير المهنية.

اختبار المرحلة المقبلة: إصلاحات ملموسة أم استمرار الاختلالات؟

إن مستقبل الصحافة المغربية لا يتوقف على التصريحات أو الوعود المرتبطة بإصلاح القطاع، بل على الإجراءات العملية التي ستُعتمد لمعالجة أزماته. ويشمل ذلك تطوير آليات الدعم، وتحسين الوضع الاجتماعي للصحفيين، وضمان استقلالية التحرير، وتيسير الوصول إلى المعلومات، وتوفير بيئة قانونية ومؤسساتية تحترم حرية التعبير والمسؤولية المهنية.

ومن هذا المنطلق، يمكن قياس مدى نجاح أي توجه حكومي في هذا المجال من خلال نتائج ملموسة، من بينها قدرة المقاولات الصحفية على الاستمرار، وتحسن شروط عمل الصحفيين، وتعزيز الشفافية في تدبير الدعم العمومي، وتوسيع فرص الوصول إلى المعلومات، وترسيخ الممارسة المنتظمة للمساءلة الصحفية.

إن استعادة الصحافة المغربية مكانتها تتطلب إرادة إصلاحية تتجاوز الحلول الظرفية، وتؤسس لنموذج إعلامي يجمع بين الاستقلالية والاستدامة الاقتصادية والجودة المهنية. كما تستدعي انخراط الحكومة والمؤسسات المعنية والهيئات المهنية والمقاولات الإعلامية في حوار جاد يحدد الأولويات، ويضع آليات واضحة للتنفيذ والتقييم.

وفي المحصلة، تظل العلاقة بين الحكومة والصحافة اختباراً مهماً لمدى ترسيخ الشفافية والانفتاح واحترام التعددية. فالإعلام الذي يتمتع بالاستقلالية ويؤدي مهامه بمهنية يشكل رافعة للنقاش الديمقراطي، فيما تمثل حماية الصحفيين وتحسين أوضاعهم شرطاً أساسياً لضمان استمرارية هذه الوظيفة.

ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من تشخيص الأزمة إلى معالجة أسبابها، عبر إصلاحات قابلة للقياس والتنفيذ، تعيد الثقة إلى الجسم الصحفي، وتضمن للمواطن حقه في إعلام مهني وموثوق ومستقل.