الطماطم المغربية بين رهانات التصدير وحماية القدرة الشرائية.. أي توازن مطلوب؟
بقلم: الأستاذ محمد عيدني
أعاد الجدل المثار حول توقف صادرات الطماطم المغربية نحو عدد من الأسواق الإفريقية، وفي مقدمتها السوق الموريتانية، النقاش بشأن التوازن المطلوب بين دعم الصادرات الفلاحية وضمان تزويد السوق الوطنية بالمواد الغذائية الأساسية بأسعار تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل تزايد الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر المغربية.
وتناولت تقارير صحفية منشورة بتاريخ 16 أكتوبر 2026 ارتفاع أسعار الطماطم في موريتانيا عقب تراجع الإمدادات المغربية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن أسعار هذه المادة في بعض أسواق القرب بمدينة الدار البيضاء تراوحت بين 8 و10 دراهم للكيلوغرام خلال منتصف الشهر نفسه، مع تفاوت الأسعار بحسب الأسواق والجودة وتكاليف التوزيع.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة إشكالية اقتصادية واجتماعية تتجاوز منتوج الطماطم في حد ذاته، لتطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية التوفيق بين مصالح المنتجين والمصدرين، ومتطلبات تموين السوق الداخلية، وحق المستهلك المغربي في الحصول على المواد الأساسية بأسعار معقولة.
الطماطم.. مادة أساسية في ميزانية الأسر المغربية
لا تقتصر أهمية الطماطم على كونها منتوجاً فلاحياً يساهم في تنشيط المبادلات التجارية، بل تعد من المواد الأساسية التي تحضر باستمرار في المطبخ المغربي، وترتبط بشكل مباشر بالتكاليف اليومية لإعداد الوجبات، خصوصاً لدى الأسر محدودة الدخل.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ارتفاع في أسعارها ينعكس على ميزانية الأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى التوفيق بين نفقات الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة، في سياق تتزايد فيه أهمية كل درهم في تدبير متطلبات الحياة اليومية.
غير أن تفسير ارتفاع الأسعار لا يمكن اختزاله في مسألة التصدير وحدها، إذ تظل هناك عوامل متعددة تؤثر في تحديد السعر النهائي، من بينها حجم الإنتاج، وتكاليف السقي والطاقة والأسمدة واليد العاملة، فضلاً عن مصاريف النقل والتخزين والتسويق، وهوامش الربح التي تتراكم عبر مختلف حلقات التوزيع.
كما أن التفاوت المسجل بين أسعار البيع في أسواق الجملة وأسواق التقسيط يفرض الاستناد إلى معطيات دقيقة ومحيّنة قبل تحديد أسباب الغلاء أو توجيه المسؤولية نحو طرف معين.
وفرة الإنتاج.. هل تنعكس على الأسعار في السوق الوطنية؟
رغم المؤهلات الفلاحية التي يتوفر عليها المغرب، والجهود المبذولة لتعزيز حضوره في الأسواق الخارجية، يظل السؤال المطروح هو مدى انعكاس هذه الإمكانات على أسعار المواد الغذائية داخل السوق الوطنية.
فالمواطن لا ينتظر فقط أن يحقق الإنتاج الفلاحي مردودية اقتصادية وأن تعزز الصادرات مكانة المغرب التجارية، بل يتطلع أيضاً إلى الاستفادة من هذه الإمكانات من خلال توفير المنتجات الأساسية بكميات كافية وأسعار مستقرة.
وتكمن الإشكالية في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات النشاط الفلاحي الموجه للتصدير وحاجيات الاستهلاك الداخلي، بما يضمن استمرار مصالح المنتجين والمصدرين، دون أن تتحول تقلبات العرض والأسعار إلى عبء إضافي على الأسر المغربية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربة شمولية لتدبير الإنتاج والتسويق، تقوم على استباق فترات الخصاص المحتمل، ومتابعة تطور الأسعار، وتوفير مؤشرات واضحة بشأن الكميات المتاحة في الأسواق وحاجيات الاستهلاك الوطني.
التصدير رافعة اقتصادية.. لكن السوق الداخلية لها أولويتها
لا يمكن إنكار الأهمية الاقتصادية للصادرات الفلاحية المغربية، بالنظر إلى مساهمتها في جلب العملة الصعبة، وخلق فرص الشغل، ودعم المقاولات والضيعات الفلاحية، فضلاً عن تعزيز العلاقات التجارية مع الشركاء الأفارقة.
غير أن الحفاظ على هذه المكاسب يقتضي اعتماد سياسة متوازنة تراعي، في الوقت نفسه، متطلبات الأسواق الخارجية وضرورات تموين السوق الوطنية، خصوصاً خلال الفترات التي تعرف اختلالاً في العرض أو ارتفاعاً غير معتاد في الأسعار.
وفي المقابل، فإن اتخاذ قرارات بتقييد الصادرات أو تعليقها ينبغي أن يستند إلى تقييم دقيق لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة مصالح الفلاحين والمنتجين والمصدرين والعمال المرتبطين بسلاسل الإنتاج والتسويق.
فالمطلوب ليس تحميل جهة واحدة مسؤولية ارتفاع الأسعار، بل إرساء آليات واضحة وفعالة تتيح تدبيراً أفضل للإنتاج والتوزيع والتصدير، بناءً على معطيات دقيقة بشأن وضعية السوق وحاجيات المستهلكين.
شفافية الأسعار ومراقبة الأسواق.. مدخل للحد من الاختلالات
يبرز تحسين شفافية الأسعار باعتباره أحد المداخل الأساسية لفهم الفوارق بين الثمن الذي يباع به المنتوج عند خروجه من الضيعة والسعر الذي يؤديه المستهلك النهائي.
ويقتضي ذلك تعزيز المراقبة داخل أسواق الجملة ونقاط البيع، والتصدي للممارسات غير المشروعة، وتوفير معطيات واضحة بشأن مسار المنتوج وتكاليف نقله وتسويقه وهوامش التوزيع.
كما أن تقليص حلقات الوساطة غير الضرورية، وتطوير البنيات التحتية للتخزين والنقل، وتحسين تنظيم عمليات التسويق، من شأنه أن يساهم في الحد من الاختلالات التي قد تثقل كاهل المنتج والمستهلك على حد سواء.
ولا يتعلق الأمر فقط بالتدخل بعد ارتفاع الأسعار، بل ببناء منظومة للرصد والتتبع قادرة على اكتشاف التقلبات مبكراً، وتحديد أسبابها، واتخاذ التدابير المناسبة قبل أن تتحول إلى مصدر ضغط يومي على ميزانيات الأسر.
حماية القدرة الشرائية مسؤولية مشتركة
تظل حماية القدرة الشرائية للمواطنين مسؤولية مشتركة بين القطاعات الحكومية المعنية والمهنيين والمنتجين والهيئات المكلفة بالمراقبة وحماية المستهلك.
وتتطلب هذه المسؤولية تجاوز التدخلات الظرفية نحو سياسات أكثر استدامة، تقوم على التخطيط للإنتاج، وتحسين قنوات التوزيع، وتعزيز المنافسة المشروعة، وضمان وصول المواد الغذائية الأساسية إلى الأسواق بكميات كافية وأسعار معقولة.
كما ينبغي أن يندرج تدبير ملف الطماطم ضمن رؤية أوسع لمعالجة إشكالية أسعار المواد الغذائية الأساسية، لأن الضغط الذي يواجهه المستهلك المغربي لا يرتبط بمنتوج واحد، بل ينتج عن تراكم النفقات اليومية وتفاوت القدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
ومن ثم، فإن تقييم السياسات الفلاحية والتجارية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنتاج وقيمة الصادرات، بل يتعين أن يشمل أيضاً آثارها الاجتماعية، ومدى مساهمتها في تحسين ظروف العيش وضمان استفادة المواطنين من الثروة الفلاحية الوطنية.
نحو سياسة فلاحية توازن بين الأسواق الخارجية واحتياجات المواطنين
إن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء معادلة متوازنة تحافظ على مكانة المغرب في الأسواق الإفريقية، وتصون مصالح المنتجين والمصدرين، وتضمن في الوقت ذاته حق المستهلك المغربي في الاستفادة من الإنتاج الوطني بأسعار مناسبة.
فالتنمية الفلاحية لا تقاس فقط بحجم المنتوجات التي تصل إلى الأسواق الخارجية، ولا بقيمة العائدات التجارية المحققة، بل تقاس أيضاً بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين وتعزيز الأمن الغذائي واستقرار الأسواق الداخلية.
وتكشف قضية الطماطم، بما أثارته من نقاش حول التصدير والأسعار، عن الحاجة إلى الانتقال من التدبير الظرفي لتقلبات السوق إلى سياسة مستدامة توازن بين متطلبات الإنتاج والتسويق والتصدير وحماية المستهلك.
فحين تصبح المواد الغذائية الأساسية عبئاً متزايداً على ميزانية الأسر، يتحول استقرار الأسعار من مجرد مسألة تجارية إلى قضية اقتصادية واجتماعية تستدعي وضوح المعطيات، وفعالية التدخلات، وربط السياسات العمومية بنتائجها الملموسة على القدرة الشرائية للمواطنين.