معرض الفرس بالجديدة في دورته الـ17.. التراث المغربي يلتقي بالتميز الرياضي والانفتاح الدولي
تستعد مدينة الجديدة لاحتضان الدورة السابعة عشرة من معرض الفرس، خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 18 أكتوبر 2026، بمركز المعارض محمد السادس، في موعد سنوي يجمع بين الاحتفاء بالموروث الفروسي المغربي، وإبراز تطور رياضات الفروسية، وتعزيز إشعاع المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
وتنظم جمعية معرض الفرس هذه التظاهرة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحت شعار «الفرس في خدمة الإنسان»، وهو عنوان يستحضر الأدوار المتعددة التي اضطلع بها الفرس عبر التاريخ، ويبرز عمق العلاقة التي تربطه بالإنسان، سواء في المجالات الاجتماعية والثقافية والرياضية، أو في الأنشطة الاقتصادية والمهنية.
وتراهن دورة هذه السنة على تقديم رؤية متكاملة لعالم الفروسية، من خلال الجمع بين صون التقاليد المغربية العريقة ومواكبة التطورات الحديثة، مع التأكيد على أهمية الرفق بالخيل وضمان صحتها وسلامتها وحسن معاملتها.
برنامج علمي وثقافي يعزز المعرفة بعالم الخيل
يحظى الجانب العلمي والثقافي بمكانة بارزة ضمن برنامج الدورة الجديدة، من خلال تنظيم محاضرات وندوات ولقاءات تجمع باحثين وخبراء وأطباء بيطريين ومهنيين، لمناقشة قضايا مرتبطة بصحة الخيول ورعايتها، واستحضار مكانتها في التاريخ والحضارة المغربية.
وسيخصص يوم الجمعة 16 أكتوبر لعدد من الأنشطة العلمية والثقافية، التي تشمل موضوع العلاج بمساعدة الخيول وتجارب تطبيقه بالمغرب، إلى جانب العلاج المائي الموجه للخيول ودوره في تطوير الرعاية البيطرية وبرامج التأهيل.
كما يتضمن البرنامج محاور تستحضر حضور الفرس في المحلة السلطانية، وتسلط الضوء على إسهاماته في الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية للإنسان، فضلاً عن إبراز مظاهر عناية السلاطين المغاربة بالخيل، استناداً إلى الوثائق التاريخية، والجهود الرامية إلى توثيق المصطلحات المرتبطة بعالم الفروسية وصون رصيدها المعرفي.
وسيكون الطب البيطري محوراً لندوة متخصصة تستعرض المستجدات العلمية والتقنية في مجال صحة الخيول، بما في ذلك الاختبارات الجينية، والتقنيات الحديثة في عمليات الخصي، وسبل تشخيص بعض الحالات المرضية المعقدة وعلاجها.
ومن خلال هذه المبادرات، يواصل المعرض تعزيز دوره باعتباره فضاءً لتبادل الخبرات ونقل المعرفة، وربط البحث العلمي بالممارسة المهنية، بما يدعم تطوير قطاع الفروسية بالمغرب.
عروض فنية وبرامج تربوية للأجيال الصاعدة
وإلى جانب البعدين العلمي والثقافي، يتضمن برنامج الدورة عروضاً فنية وترفيهية تجمع فرقاً وتجارب من المغرب وخارجه، من خلال لوحات متنوعة تستعرض غنى مدارس الفروسية وتعدد أساليبها.
كما يولي المعرض اهتماماً خاصاً بالأطفال واليافعين، عبر أنشطة تربوية وورشات تفاعلية وعروض توضيحية، تهدف إلى تعريفهم بعالم الخيل وما يرتبط به من رياضات ومهن وتقاليد وقيم.
وتسعى هذه المبادرات إلى تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالموروث الفروسي المغربي، وتقريبها من أبعاده الثقافية والرياضية والتربوية، بما يضمن استمرارية هذا التراث وانتقاله بين الأجيال.
وعلى المستوى الوطني، يشكل المعرض مناسبة لإبراز التنوع الثقافي الذي تزخر به مختلف جهات المملكة، من خلال تسليط الضوء على المنتجات المحلية والحرف التقليدية والمهارات المتوارثة المرتبطة بعالم الفروسية.
ولا يقتصر دور هذه التظاهرة على تنظيم المنافسات والعروض، بل يمتد إلى تثمين المهن المرتبطة بالخيل، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز مساهمة الفروسية في التنمية القروية.
القفز على الحواجز.. خطوة جديدة نحو المنافسة الدولية
على المستوى الرياضي، تسجل الدورة السابعة عشرة مستجداً يتمثل في ارتقاء الجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للقفز على الحواجز إلى تصنيف خمس نجوم، ضمن منافسات الدوري المؤهل لكأس العالم للقفز على الحواجز (CSI5*-W).
ويعكس هذا التطور تطور المكانة الرياضية للمعرض، ويعزز حضوره ضمن أجندة التظاهرات الدولية المتخصصة في الفروسية، كما يتيح للفرسان المغاربة فرصاً أوسع للاحتكاك بالمستويات التنافسية العالمية.
وتشهد الدورة أيضاً رفع تصنيف إحدى المسابقات الدولية من نجمة واحدة إلى نجمتين (CSI2*)، في خطوة تروم توفير ظروف تنافسية أكثر تطوراً، وتعزيز انفتاح المشاركين المغاربة على الخبرات والمعايير الدولية.
وتؤكد هذه المستجدات توجه المعرض نحو الجمع بين إبراز الخبرة المغربية في الفروسية ومواكبة التطورات التقنية والتنظيمية التي يعرفها هذا المجال على الصعيد العالمي.
التبوريدة.. أصالة التراث المغربي في قلب المنافسات
تظل الجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للتبوريدة إحدى أبرز محطات المعرض، إذ تجمع نخبة من السربات المغربية القادمة من مختلف جهات المملكة، للتنافس في عروض تستحضر أصالة هذا الفن الفروسي ودقته التقنية وجماليته الجماعية.
وعلى مدى خمسة أيام، ستسلط المنافسات الضوء على مهارات الفرسان والخيول، ومدى الانسجام بين أفراد السربات، إلى جانب إبراز جمالية الأزياء التقليدية وفخامة العدة، في مشهد يجمع بين الانضباط والإتقان والاحتفاء بالهوية الثقافية المغربية.
وتكتسي التبوريدة أهمية خاصة باعتبارها مكوناً أصيلاً من الذاكرة الجماعية للمغاربة، فضلاً عن مكانتها ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية، بعد إدراجها سنة 2021 في القائمة التمثيلية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
ومن المرتقب أن تختتم هذه الفعاليات بعروض حرة للتبوريدة، يوم الأحد 18 أكتوبر، بما يتيح لزوار المعرض فرصة إضافية للاستمتاع بهذا الفن التقليدي واستكشاف غناه الفني والتراثي.
السلالات الأصيلة.. تثمين الإنتاج الوطني وتشجيع المربين
ويواصل معرض الفرس بالجديدة اهتمامه بالسلالات الأصيلة، من خلال تنظيم مجموعة من المسابقات التي تبرز جودة الإنتاج الوطني، وتسلط الضوء على جهود المربين المغاربة في الحفاظ على الخصائص الوراثية والجمالية للخيول وتطويرها.
ويتضمن البرنامج كأس الأبطال للخيول البربرية، وكأس الأبطال للخيول العربية-البربرية، وكأس المربين المغاربة للخيول العربية الأصيلة، فضلاً عن المباراة الدولية لجمال الخيول العربية الأصيلة، المصنفة ضمن فئة «Title Show».
وتشكل هذه المنافسات فرصة لإبراز الخصائص المميزة للسلالات المشاركة، وتسليط الضوء على جودة التربية والانتقاء، وتشجيع المربين على تطوير أساليب العمل وفق الممارسات والمعايير المعتمدة دولياً.
كما تسهم هذه المسابقات في التعريف بالمؤهلات التي تزخر بها تربية الخيول بالمغرب، وتعزيز مكانة المربين المغاربة داخل المنظومة الدولية للفروسية.
من منصة وطنية إلى موعد دولي للفروسية
منذ انطلاقه سنة 2008، نجح معرض الفرس للجديدة في ترسيخ حضوره باعتباره موعداً يجمع مختلف الفاعلين في عالم الخيل، من مربين وفرسان وحرفيين وباحثين ومهنيين ومؤسسات وطنية ودولية، إلى جانب جمهور واسع من عشاق الفروسية.
ويستند هذا المسار إلى التطور المتواصل للبنيات التحتية والتنظيم وجودة الاستقبال، فضلاً عن تنوع البرامج والأنشطة التي تجمع بين المنافسة الرياضية والتكوين العلمي والتبادل الثقافي والتعريف بالتراث المغربي.
وتأتي الدورة السابعة عشرة لتواصل هذا التوجه، من خلال برنامج متنوع يسعى إلى التوفيق بين الحفاظ على الموروث الفروسي الوطني والانفتاح على المستجدات الحديثة، وتعزيز مكانة المغرب ضمن الفضاء الدولي للفروسية.
وبذلك، يكرس معرض الفرس بالجديدة دوره باعتباره أكثر من مجرد تظاهرة رياضية؛ فهو فضاء لصون الذاكرة الثقافية، وتشجيع الخبرات الوطنية، ودعم التنمية المحلية، وبناء جسور التواصل بين الأجيال والثقافات، انطلاقاً من المكانة التاريخية والحضارية التي يحتلها الفرس في المجتمع المغربي.