جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

التضخم يضيّق هامش المناورة أمام بنك اليابان وسط ترقب رفع الفائدة

تقترب اليابان من محطة حاسمة في مسار تطبيع سياستها النقدية، مع تزايد المؤشرات على اتساع الضغوط التضخمية وانتقالها تدريجياً من أسعار السلع والواردات إلى قطاع الخدمات، في وقت تتجه فيه توقعات الأسواق بقوة نحو رفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة مجدداً في سبتمبر.

ويأتي ذلك بالتزامن مع غياب محافظ البنك كازو أويدا عن مؤتمر «جاكسون هول» هذا الأسبوع، وهو أحد أبرز التجمعات العالمية لمحافظي البنوك المركزية، ما ينقل اهتمام المستثمرين إلى أعضاء آخرين في البنك، قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول «مجموعة العشرين» في الولايات المتحدة الأسبوع المقبل.

وأعلن «بنك اليابان»، الأربعاء، أن عضو مجلس إدارته ناوكي تامورا سيمثل أويدا في «جاكسون هول»، بسبب تعارض في المواعيد. ويُعد اختيار تامورا لافتاً، نظراً إلى كونه من أبرز الأصوات المؤيدة لتشديد السياسة النقدية داخل مجلس البنك المؤلف من تسعة أعضاء، بعدما دعا في وقت سابق إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة منتظمة لمواجهة مخاطر التضخم.

لكن عدم وجود جلسة إعلامية لتامورا خلال المؤتمر يقلل فرص حصول المستثمرين على إشارات مباشرة بشأن توجهات البنك قبيل اجتماعه المقرر يومي 17 و18 سبتمبر.

التضخم يعزز مبررات رفع الفائدة

تزامن الإعلان عن ماركة تامورا مع صدور بيانات جديدة تدعم موقف صانعي السياسة النقدية المتشددين.

فقد ارتفع مؤشر أسعار منتجي الخدمات، الذي يقيس الأسعار التي تفرضها الشركات على بعضها مقابل الخدمات، بنسبة 3.6 في المائة خلال يوليو على أساس سنوي، مقارنة بزيادة معدلة بلغت 3.4 في المائة في يونيو.

وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن التضخم بدأ يترسخ بصورة أعمق داخل الاقتصاد الياباني. ففي مراحل سابقة، ارتبط جزء كبير من ارتفاع الأسعار بتكاليف المواد الخام والطاقة والواردات، خصوصاً في ظل ضعف الين.

أما ارتفاع أسعار الخدمات فيعكس ضغوطاً محلية أكثر استدامة، مع استمرار ضيق سوق العمل وارتفاع الأجور والتكاليف، إلى جانب استعداد الشركات بصورة أكبر لتمرير هذه الزيادات إلى المستهلكين.

ويُعد هذا النوع من التضخم تحديداً من المؤشرات التي كان «بنك اليابان» ينتظر ترسخها قبل التخلي تدريجياً عن سياسة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض.

كما تسارع التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين في يوليو، في ظل استمرار تأثير ضعف العملة اليابانية وارتفاع تكاليف الواردات والاضطرابات الجيوسياسية.

وبذلك، لم يعد النقاش داخل الأسواق يدور فقط حول بلوغ التضخم هدف البنك البالغ 2 في المائة، بل حول مدى استدامة الضغوط السعرية وانتقالها إلى الأجور والخدمات.

الأسواق تترقب فائدة عند 1.25%

عززت هذه المؤشرات توقعات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن «بنك اليابان» قد يرفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 1.25 في المائة من 1 في المائة.

كما تتزايد التكهنات بأن البنك قد يتجه مستقبلاً إلى رفع الفائدة بوتيرة أسرع من المسار الحالي، الذي يتضمن زيادتين تقريباً سنوياً.

وتعززت رهانات الأسواق بعد التحركات الأميركية واليابانية المتعلقة بالين، إلى جانب تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت.

ومن شأن رفع الفائدة أن يمثل خطوة إضافية في إنهاء إرث عقود من السياسة النقدية شديدة التيسير، لكنه يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى المالية العامة اليابانية وسوق السندات.

فارتفاع أسعار الفائدة يزيد تدريجياً تكلفة خدمة الدين الحكومي، في وقت صعدت فيه عوائد السندات طويلة الأجل بالفعل إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما اعتادت عليه الأسواق اليابانية خلال سنوات التيسير النقدي.

«جاكسون هول» تحت المجهر

ورغم غياب أويدا، ستظل تطورات «جاكسون هول» ذات أهمية مباشرة للأسواق اليابانية، خصوصاً مع ترقب خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الجديد كيفن وارش.

ويكتسب مسار السياسة النقدية الأميركية أهمية خاصة بالنسبة إلى اليابان، نظراً لتأثير فارق العوائد بين السندات الأميركية واليابانية في حركة الين.

فأي توجه أكثر تشدداً من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» قد يدعم الدولار ويزيد الضغوط على الين، ما يرفع بدوره تكلفة الواردات ويعيد تغذية التضخم في اليابان.

وفي المقابل، قد يؤدي توجه أكثر ميلاً إلى التيسير في الولايات المتحدة إلى تراجع العوائد الأميركية ودعم الين، بما يخفف من حدة التضخم المستورد ويمنح «بنك اليابان» مساحة أكبر للتحرك تدريجياً.

ويزيد غياب أويدا عن «جاكسون هول» من أهمية احتمال ظهوره في اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين، الذي تستضيفه الولايات المتحدة الأسبوع المقبل.

كما يترقب المستثمرون خطاب نائب محافظ «بنك اليابان» ريوزو هيمينو، الخميس، إذ ستخضع تصريحاته للتدقيق بحثاً عن مؤشرات جديدة بشأن تقييم البنك لمسار التضخم وقراره المرتقب في سبتمبر.

معادلة نقدية أكثر تعقيداً

لا يواجه «بنك اليابان» سؤالاً بسيطاً حول ما إذا كانت الأسعار ترتفع، بل يواجه معضلة تتعلق بمدى التشديد النقدي الذي يستطيع الاقتصاد تحمله.

فرفع الفائدة قد يساعد على كبح التضخم ودعم الين، لكنه في المقابل يزيد تكاليف الاقتراض على الشركات والأسر والحكومة، في اقتصاد يحمل واحداً من أعلى مستويات الدين العام عالمياً.

أما التباطؤ المفرط في رفع الفائدة، فقد يسمح للتضخم بالترسخ بصورة أكبر، خصوصاً إذا واصلت الشركات تمرير ارتفاع الأجور والتكاليف إلى المستهلكين.

ومن هنا، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة إلى السياسة النقدية اليابانية. فبيانات التضخم تشير إلى اتساع ضغوط الأسعار، والأسواق تكاد تسعّر رفع الفائدة في سبتمبر، بينما ستوفر تصريحات مسؤولي البنك، وتطورات السياسة النقدية الأميركية، وأي لقاء محتمل بين أويدا وبيسنت، مؤشرات إضافية قبل اتخاذ القرار.

وبعد سنوات كان السؤال الرئيسي خلالها يتمحور حول موعد خروج اليابان من حقبة الفائدة شديدة الانخفاض، تحول النقاش الآن إلى سؤال أكثر تعقيداً: إلى أي مدى يستطيع «بنك اليابان» رفع الفائدة، وبأي سرعة، من دون إرباك سوق السندات والمالية العامة والنمو الاقتصادي؟