هل تُفسد السلطة شخصية الإنسان؟ حين يتحول المنصب من مسؤولية عامة إلى وهم العظمة
بقلم: الأستاذ محمد عيدني
ليست السلطة مجرد منصب إداري أو سياسي يمنح صاحبه صلاحيات واسعة، ولا امتيازاً يتيح له إصدار الأوامر والتحكم في مسارات الآخرين، بل هي اختبار حقيقي لنضج الشخصية وقدرتها على التوفيق بين النفوذ والمسؤولية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تُغيّر السلطة الإنسان وتدفعه نحو الغرور والاستعلاء، أم أنها تكشف عن صفات كامنة في شخصيته لم تكن ظاهرة قبل وصوله إلى مواقع القرار؟ هذا التساؤل، الذي يتجاوز المقاربة النفسية الضيقة إلى أبعاد فلسفية وسياسية أعمق، شكّل محور نقاش حول العلاقة بين السلطة والسلوك الإنساني، ومن بين المحطات التي تناولت هذه الإشكالية محاضرة للمفكر جاك أتالي بمتحف اللوفر في باريس.
في الواقع، لا يتجلى معدن المسؤول الحقيقي عندما يكون بعيداً عن دوائر النفوذ، بل عندما يمتلك سلطة اتخاذ القرار وتصبح اختياراته مؤثرة في حياة المواطنين ومصالحهم. ففي هذه اللحظة تحديداً، يظهر الفرق بين من ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفاً يفرض عليه خدمة الصالح العام، ومن يتعامل معه باعتباره امتيازاً شخصياً يمنحه مكانة فوق الآخرين. ولا يُقاس نجاح المسؤول بما يقدمه من خطابات حول النزاهة والعدالة والمساواة، وإنما بمدى استعداده للاستماع إلى شكاوى المواطنين، وتقبّل الآراء المخالفة، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، فضلاً عن احترامه لمبدأ المحاسبة.
وتكمن إحدى أخطر مشكلات السلطة في ميل بعض المسؤولين إلى إحاطة أنفسهم بدائرة مغلقة من المقرّبين الذين لا يقدمون سوى عبارات التأييد والإشادة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا المناخ إلى مصدر لوهم التفوق، حيث يُفسَّر غياب الاعتراض باعتباره دليلاً على صواب القرارات، بينما يُنظر إلى النقد باعتباره استهدافاً شخصياً أو محاولة للمساس بالمكانة والنفوذ. وهكذا، تتراجع القدرة على التقييم الموضوعي، ويصبح المسؤول أكثر ميلاً إلى سماع ما يرضيه بدلاً مما يحتاج إلى معرفته فعلياً.
وترتبط هذه الإشكالية بما طرحه الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، الذي تناول فيه آليات صعود الرداءة داخل بعض المؤسسات على حساب الكفاءة والاستقلالية الفكرية. فعندما تتحول الطاعة إلى معيار أساسي للتقدم، وتصبح الولاءات الشخصية أهم من جودة الأداء، تجد الكفاءات المستقلة نفسها مهمشة، فيما تتراجع فرص النقد البنّاء والمساءلة المهنية. ولا تقتصر خطورة هذا الوضع على سلوك المسؤول الفرد، بل تمتد إلى المؤسسة بأكملها، التي قد تفقد قدرتها على الابتكار والتصحيح، وتبتعد تدريجياً عن الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
غير أن معالجة اختلالات السلطة لا يمكن أن تقوم على التعويل على حسن النوايا وحده، لأن استقامة المؤسسات تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات فعالة للمراقبة والتقييم والمحاسبة. فالمسؤول، مهما بلغت خبرته أو نزاهته، يظل مطالباً بالخضوع للقانون والقبول بالرقابة المؤسسية والمجتمعية. كما أن الصحافة الاستقصائية والنقد العمومي لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مصدر إزعاج أو تهديد، بل بوصفهما آليتين للمساهمة في كشف الاختلالات وتصحيح المسار وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
ومن هذا المنطلق، تقتضي الممارسة المسؤولة للسلطة الفصل بين المصالح العامة والمنافع الشخصية، وإسناد المهام إلى أصحاب الكفاءة، واحترام الحق في الاختلاف، وإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل الاعتراف بالخطأ مدخلاً للإصلاح لا سبباً للعقاب المعنوي أو الإقصاء. فالمسؤول الذي يتعامل مع النقد باعتباره فرصة للمراجعة والتطوير يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة من ذلك الذي يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة أو إحاطة نفسه بالمؤيدين.
في المحصلة، لا تكمن خطورة السلطة في امتلاك النفوذ بحد ذاته، بل في غياب الضوابط التي تمنع تحوله إلى أداة للاستعلاء والاستئثار بالقرار. فالسلطة لا تعني بالضرورة فقدان الاتزان، لكنها قد تهيئ الظروف التي تسمح بتضخم الأنا وتراجع الإحساس بالمسؤولية، خصوصاً عندما تغيب المحاسبة ويصبح الولاء الشخصي بديلاً عن الكفاءة. لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح المسؤول ليس حجم الصلاحيات التي يمتلكها، ولا قدرته على فرض إرادته، بل مدى التزامه بخدمة المجتمع واحترام القانون وقبول المساءلة.
إن المنصب، في نهاية المطاف، ليس امتيازاً دائماً ولا دليلاً على التفوق الشخصي، بل مسؤولية مؤقتة تضع صاحبها أمام امتحان مستمر. وبين سلطة تخدم المجتمع وأخرى تخدم مصالح صاحبها، يتحدد الفارق بين القيادة القائمة على المسؤولية والنفوذ الذي يتحول إلى وهم العظمة.
المقتطف (Excerpt)
هل تغيّر السلطة شخصية الإنسان أم تكشف عن جوانب كانت كامنة فيه؟ يناقش هذا المقال العلاقة بين النفوذ والسلوك الإنساني، وكيف يمكن أن يتحول المنصب من مسؤولية لخدمة الصالح العام إلى مصدر للغرور والاستعلاء، خاصة عندما تغيب المحاسبة ويُهمَّش النقد. كما يسلط الضوء على أهمية الكفاءة والشفافية واستقلالية المؤسسات في ضمان ممارسة السلطة بمسؤولية واحترام المصلحة العامة.
الهاشتاغات (Hashtags)
السلطة، وهم العظمة، المسؤولية السياسية، القيادة، علم النفس السياسي، الحكامة الجيدة، الشفافية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، المصلحة العامة، أخلاقيات المسؤولية، نظام التفاهة، آلان دونو، جاك أتالي، النقد البناء، استقلالية المؤسسات، الإصلاح الإداري، الفكر السياسي، محمد عيدني
بقلم: الأستاذ محمد عيدني
المقال المعاد صياغته
ليست السلطة مجرد منصب إداري أو سياسي يمنح صاحبه صلاحيات واسعة، ولا امتيازاً يتيح له إصدار الأوامر والتحكم في مسارات الآخرين، بل هي اختبار حقيقي لنضج الشخصية وقدرتها على التوفيق بين النفوذ والمسؤولية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تُغيّر السلطة الإنسان وتدفعه نحو الغرور والاستعلاء، أم أنها تكشف عن صفات كامنة في شخصيته لم تكن ظاهرة قبل وصوله إلى مواقع القرار؟ هذا التساؤل، الذي يتجاوز المقاربة النفسية الضيقة إلى أبعاد فلسفية وسياسية أعمق، شكّل محور نقاش حول العلاقة بين السلطة والسلوك الإنساني، ومن بين المحطات التي تناولت هذه الإشكالية محاضرة للمفكر جاك أتالي بمتحف اللوفر في باريس.
في الواقع، لا يتجلى معدن المسؤول الحقيقي عندما يكون بعيداً عن دوائر النفوذ، بل عندما يمتلك سلطة اتخاذ القرار وتصبح اختياراته مؤثرة في حياة المواطنين ومصالحهم. ففي هذه اللحظة تحديداً، يظهر الفرق بين من ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفاً يفرض عليه خدمة الصالح العام، ومن يتعامل معه باعتباره امتيازاً شخصياً يمنحه مكانة فوق الآخرين. ولا يُقاس نجاح المسؤول بما يقدمه من خطابات حول النزاهة والعدالة والمساواة، وإنما بمدى استعداده للاستماع إلى شكاوى المواطنين، وتقبّل الآراء المخالفة، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، فضلاً عن احترامه لمبدأ المحاسبة.
وتكمن إحدى أخطر مشكلات السلطة في ميل بعض المسؤولين إلى إحاطة أنفسهم بدائرة مغلقة من المقرّبين الذين لا يقدمون سوى عبارات التأييد والإشادة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا المناخ إلى مصدر لوهم التفوق، حيث يُفسَّر غياب الاعتراض باعتباره دليلاً على صواب القرارات، بينما يُنظر إلى النقد باعتباره استهدافاً شخصياً أو محاولة للمساس بالمكانة والنفوذ. وهكذا، تتراجع القدرة على التقييم الموضوعي، ويصبح المسؤول أكثر ميلاً إلى سماع ما يرضيه بدلاً مما يحتاج إلى معرفته فعلياً.
وترتبط هذه الإشكالية بما طرحه الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، الذي تناول فيه آليات صعود الرداءة داخل بعض المؤسسات على حساب الكفاءة والاستقلالية الفكرية. فعندما تتحول الطاعة إلى معيار أساسي للتقدم، وتصبح الولاءات الشخصية أهم من جودة الأداء، تجد الكفاءات المستقلة نفسها مهمشة، فيما تتراجع فرص النقد البنّاء والمساءلة المهنية. ولا تقتصر خطورة هذا الوضع على سلوك المسؤول الفرد، بل تمتد إلى المؤسسة بأكملها، التي قد تفقد قدرتها على الابتكار والتصحيح، وتبتعد تدريجياً عن الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
غير أن معالجة اختلالات السلطة لا يمكن أن تقوم على التعويل على حسن النوايا وحده، لأن استقامة المؤسسات تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات فعالة للمراقبة والتقييم والمحاسبة. فالمسؤول، مهما بلغت خبرته أو نزاهته، يظل مطالباً بالخضوع للقانون والقبول بالرقابة المؤسسية والمجتمعية. كما أن الصحافة الاستقصائية والنقد العمومي لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مصدر إزعاج أو تهديد، بل بوصفهما آليتين للمساهمة في كشف الاختلالات وتصحيح المسار وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
ومن هذا المنطلق، تقتضي الممارسة المسؤولة للسلطة الفصل بين المصالح العامة والمنافع الشخصية، وإسناد المهام إلى أصحاب الكفاءة، واحترام الحق في الاختلاف، وإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل الاعتراف بالخطأ مدخلاً للإصلاح لا سبباً للعقاب المعنوي أو الإقصاء. فالمسؤول الذي يتعامل مع النقد باعتباره فرصة للمراجعة والتطوير يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة من ذلك الذي يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة أو إحاطة نفسه بالمؤيدين.
في المحصلة، لا تكمن خطورة السلطة في امتلاك النفوذ بحد ذاته، بل في غياب الضوابط التي تمنع تحوله إلى أداة للاستعلاء والاستئثار بالقرار. فالسلطة لا تعني بالضرورة فقدان الاتزان، لكنها قد تهيئ الظروف التي تسمح بتضخم الأنا وتراجع الإحساس بالمسؤولية، خصوصاً عندما تغيب المحاسبة ويصبح الولاء الشخصي بديلاً عن الكفاءة. لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح المسؤول ليس حجم الصلاحيات التي يمتلكها، ولا قدرته على فرض إرادته، بل مدى التزامه بخدمة المجتمع واحترام القانون وقبول المساءلة.
إن المنصب، في نهاية المطاف، ليس امتيازاً دائماً ولا دليلاً على التفوق الشخصي، بل مسؤولية مؤقتة تضع صاحبها أمام امتحان مستمر. وبين سلطة تخدم المجتمع وأخرى تخدم مصالح صاحبها، يتحدد الفارق بين القيادة القائمة على المسؤولية والنفوذ الذي يتحول إلى وهم العظمة.