جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

العنوان: ثقة المغاربة في العمل السياسي.. رهان يتجاوز الوعود الانتخابية

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

لم يعد النقاش السياسي في المغرب محصورًا في البرامج الانتخابية والخطابات الحزبية، بل بات يرتبط، بصورة متزايدة، بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة لانشغالات المواطنين وتحويل الوعود المعلنة إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابًا على حياتهم اليومية.

وفي ظل تنامي النقاش العمومي حول القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والفوارق التنموية بين المناطق، تجد الأحزاب السياسية نفسها أمام تحدٍّ أساسي يتمثل في تعزيز مصداقيتها واستعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.

ولا يمكن اختزال أزمة الثقة في طبيعة الخطاب السياسي وحده، إذ إن المواطن يقيس أداء المسؤولين انطلاقًا مما يلمسه على أرض الواقع، سواء تعلق الأمر بتوفير الخدمات الأساسية، أو تحسين ظروف العيش، أو اعتماد قرارات عمومية تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمع.

المصداقية السياسية تبدأ من المحاسبة

إن استعادة ثقة المواطنين تقتضي الانتقال من منطق الوعود الانتخابية إلى منطق النتائج والإنجازات، ومن التواصل المناسباتي إلى اعتماد خطاب سياسي واضح وشفاف، يقوم على تقديم المعطيات الدقيقة، وتفسير القرارات، والاعتراف بالإخفاقات عند وقوعها.

كما يشكل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ركيزة أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات، من خلال تعزيز الشفافية وتقييم الأداء العمومي وفق معايير واضحة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح الفئوية.

وفي هذا الإطار، تضطلع الصحافة بدور محوري في نقل انشغالات المواطنين، ومواكبة السياسات العمومية، وفتح النقاش حول القضايا التي تهم المجتمع. غير أن الاضطلاع بهذه المسؤولية يظل رهينًا بالالتزام بأخلاقيات المهنة، والتحقق من المعلومات، واحترام حق الرد، بما يضمن إعلامًا مهنيًا يسهم في تعزيز النقاش العمومي.

المواطن في صلب السياسات العمومية

لا يكمن التحدي الحقيقي أمام الفاعلين السياسيين في كسب النقاشات الإعلامية أو تحقيق مكاسب انتخابية ظرفية، بل في القدرة على تقديم حلول واقعية ومستدامة تستجيب لانتظارات المواطنين، وتعزز العدالة المجالية، وتدعم الفئات المتضررة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن تجديد الممارسة السياسية يمر عبر توسيع المشاركة المواطنة، والانفتاح على الشباب والكفاءات، وإتاحة فرص أكبر للمساهمة في تدبير الشأن العام، فضلًا عن ترسيخ ثقافة تجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الانتخابية.

ويظل تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة مرتبطًا بمدى قدرة هذه الأخيرة على الإنصات لمختلف الفئات الاجتماعية، والتفاعل الجدي مع مطالبها، وتقديم حصيلة واضحة عن السياسات والبرامج المعتمدة.

الثقة.. رأسمال سياسي لا تصنعه الشعارات

في المحصلة، تشكل الثقة أحد أهم مرتكزات الممارسة السياسية، غير أنها لا تُبنى بالشعارات والخطابات وحدها، بل تتطلب وضوحًا في الرؤية، ونجاعة في الأداء، وشفافية في التدبير، واستعدادًا دائمًا للمساءلة والمحاسبة.

فالمغاربة لا ينتظرون مزيدًا من الوعود بقدر ما يتطلعون إلى سياسات عمومية فعالة، وقرارات مسؤولة، ونتائج ملموسة تسهم في تحسين ظروف عيشهم وتعيد الاعتبار للعمل السياسي باعتباره آلية لخدمة الصالح العام.

ومن ثم، فإن استعادة الثقة تظل مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات منفتحة على المواطنين، وممارسة ديمقراطية تجعل خدمة المواطن جوهر المسؤولية العمومية، وتربط الالتزامات المعلنة بالإنجاز الفعلي على أرض الواقع.