قانون مالية 2027 يضع حكومة المنصوري أمام اختبار الزمن.. هل يُحترم أجل 20 أكتوبر؟
تواجه الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري سباقاً مع الزمن، مع اقتراب الموعد القانوني المحدد لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب، والمقرر في 20 أكتوبر الجاري، في ظل عدم الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية الجديدة وهندستها التنظيمية.
ويضع هذا الوضع الأغلبية الحكومية المرتقبة، التي تضم أحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أمام تحدٍ سياسي ومؤسساتي يتمثل في استكمال تشكيل الحكومة وتحديد المسؤوليات الوزارية، بالتزامن مع ضرورة احترام الآجال القانونية المرتبطة بإعداد المشروع المالي وإحالته على المؤسسة التشريعية.
ويُرتقب أن يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار اقتصادي وسياسي للحكومة الجديدة، بالنظر إلى مكانته باعتباره وثيقة أساسية لتحديد توجهات الدولة المالية والاقتصادية والاجتماعية، وترجمة الالتزامات الحكومية إلى برامج قابلة للتنفيذ، مدعومة باعتمادات مالية وأهداف زمنية واضحة.
ووفقاً للمادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية، يتعين إيداع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب مجلس النواب بالأسبقية، في موعد أقصاه 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية. كما تنص المادة 46 من القانون ذاته على إعداد مشاريع قوانين المالية تحت سلطة رئيس الحكومة، وفق التوجهات العامة التي يتداول بشأنها المجلس الوزاري طبقاً لمقتضيات الدستور.
وتفرض هذه المسطرة عقد مجلس وزاري للمصادقة على التوجهات العامة للمشروع قبل إيداعه بالبرلمان، ما يجعل استكمال الإجراءات المؤسساتية في الأيام القليلة المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد مدى قدرة الحكومة المرتقبة على الالتزام بالجدول الزمني القانوني.
قانون المالية.. أول امتحان سياسي للحكومة الجديدة
اعتبر رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث، أن اقتراب موعد 20 أكتوبر يشكل اختباراً سياسياً ومؤسساتياً مبكراً للحكومة المرتقبة، وليس مجرد استحقاق تقني مرتبط بإعداد الميزانية.
وأوضح، في تصريح لجريدة «مدار21»، أن مشروع قانون المالية يمثل الأداة الرئيسية التي تتحول من خلالها التوجهات الحكومية إلى اختيارات اقتصادية واجتماعية ملموسة، من خلال تحديد الموارد والنفقات والأولويات التي ستؤطر تدخل الدولة خلال السنة المالية المقبلة.
وأضاف أن عدم استكمال تشكيل الحكومة قبل الموعد المحدد قد يضع الأغلبية الجديدة أمام حرج سياسي، خصوصاً أنها مطالبة بإظهار قدرتها على الانتقال من التوافقات المتعلقة بتوزيع الحقائب الوزارية إلى الانسجام بشأن السياسات العمومية والأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار الباحث إلى أن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 انطلق قبل تشكيل الحكومة الجديدة، وفق برمجة ميزانياتية سابقة، وهو ما قد يحد من هامش التعديلات التي يمكن إدخالها في ظل ضيق الوقت.
وأكد أن التحدي الأساسي لا يرتبط فقط باحترام أجل الإيداع، بل أيضاً بقدرة الحكومة على ضمان استمرارية الالتزامات المالية للدولة، مع إدراج أولوياتها الجديدة في المشروع، بما يعكس توجهاتها السياسية والاقتصادية.
حكومة تصريف الأعمال أمام إشكال الاختصاصات
ويطرح تأخر تشكيل الحكومة تساؤلات بشأن الجهة المخولة باستكمال المسطرة المرتبطة بمشروع قانون المالية، خاصة في حال استمرار الوضع إلى ما بعد 20 أكتوبر.
وفي هذا السياق، أوضح لزرق أن حكومة تصريف الأعمال تضطلع، من حيث المبدأ، بتدبير الشؤون الجارية وضمان استمرارية المرافق العمومية، بينما تظل القرارات الكبرى ذات الطابع التشريعي والمالي مرتبطة بطبيعة الاختصاصات الدستورية وحدود صلاحيات الحكومة القائمة.
ويثير هذا الوضع إشكالية التوفيق بين ضرورة احترام الآجال القانونية المرتبطة بالميزانية، ومتطلبات الانتقال الحكومي، خصوصاً أن مشروع قانون المالية يتضمن اختيارات مالية واقتصادية تؤثر في تدبير الشأن العام خلال السنة المقبلة.
ومع ذلك، فإن تجاوز أجل 20 أكتوبر لا يعني، وفق قراءة الخبير، سقوط الحكومة أو توقف المؤسسات الدستورية عن أداء مهامها، إذ يظل استكمال تشكيل الحكومة وتسريع المسطرة التشريعية من المخارج المؤسساتية الممكنة لمعالجة التأخر.
أما إذا استمر التعثر إلى نهاية السنة دون المصادقة على قانون المالية، فإن الدستور والقانون التنظيمي لقانون المالية يتيحان، وفق شروط محددة، اتخاذ تدابير استثنائية لضمان توفير الاعتمادات الضرورية لاستمرارية المرافق العمومية.
بين احترام الآجال وتحديد الأولويات الاقتصادية
ولا تقتصر أهمية قانون مالية 2027 على الجانب الإجرائي، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي ستعتمدها الحكومة الجديدة، في ظل التحديات المرتبطة بالاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية وتمويل الخدمات العمومية.
فالحكومة المرتقبة مطالبة بتقديم تصور واضح بشأن أولويات الإنفاق العمومي، وتحديد المجالات التي ستستفيد من الموارد المالية، مع مراعاة التوازنات الميزانياتية والتزامات الدولة، والاستجابة في الوقت نفسه للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
كما يمثل المشروع فرصة لإبراز مدى قدرة الأغلبية الجديدة على بلورة برنامج حكومي منسجم، وتحويل تعهداتها السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للتقييم والمساءلة.
وفي انتظار اتضاح مآل تشكيل الحكومة، يظل موعد 20 أكتوبر محطة مؤسساتية حاسمة، ستكشف مدى قدرة الفاعلين السياسيين على تدبير المرحلة الانتقالية دون الإخلال باستمرارية العمل المؤسساتي أو تأخير المساطر المالية الأساسية.
ويضع هذا الاستحقاق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري المرتقبة أمام معادلة دقيقة تجمع بين احترام الآجال القانونية، وضمان الاستقرار المالي للدولة، وإعداد مشروع ميزانية يعكس الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة.