البرنامج الحكومي 2026–2031 تحت المجهر.. وعود اجتماعية طموحة واختبار حقيقي أمام انتظارات المغاربة
أصوات ميديا – قراءة صحفية نقدية
يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 الحكومة أمام تحدي تحويل تعهداتها الاقتصادية والاجتماعية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، في ظل استمرار الانتظارات المرتبطة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والحماية الاجتماعية.
وقد أعاد تقديم البرنامج أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026 فتح النقاش حول مدى واقعية الأهداف المعلنة، والوسائل المالية والمؤسساتية الكفيلة بتحقيقها. وتشمل هذه الأهداف تحقيق نمو اقتصادي سنوي في حدود 5%، والتحكم في التضخم عند مستويات تقارب 2%، وخفض عجز الميزانية إلى أقل من 3%.
غير أن تقييم أي برنامج حكومي لا يتوقف عند رصد الأهداف المعلنة، بل يمتد إلى مساءلة الحكومة بشأن آليات التنفيذ، والجدول الزمني للالتزامات، ومصادر التمويل، ومؤشرات قياس النتائج، ومدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.
القدرة الشرائية.. أول اختبار اجتماعي للحكومة
أصوات ميديا – الرباط
لا يقيس المواطن نجاح السياسات الحكومية بعدد المشاريع المعلنة أو المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بمدى قدرتها على تحسين ظروف عيشه وتخفيف الأعباء التي تثقل ميزانيته الشهرية، من مصاريف الغذاء والسكن والنقل إلى تكاليف العلاج والتعليم وفواتير الماء والكهرباء.
وفي هذا السياق، أقرت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ضمن عرض البرنامج الحكومي، بأن ثمار التقدم لم تصل بالقدر نفسه إلى مختلف الفئات والمجالات، مشيرة إلى استمرار تحديات مرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية.
ويطرح هذا الإقرار سؤالًا جوهريًا بشأن الإجراءات العملية التي ستعتمدها الحكومة لمعالجة هذه الاختلالات، ومدى ارتباطها بأهداف محددة وآجال زمنية واضحة، تسمح بتقييم التقدم المحقق ومساءلة الجهات المسؤولة عن التنفيذ.
النمو الاقتصادي.. هل ينعكس على معيشة الأسر؟
تراهن الحكومة على تحقيق نمو اقتصادي سنوي في حدود 5% خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، بالتوازي مع السعي إلى إبقاء معدل التضخم عند نحو 2%.
ورغم أهمية هذه المؤشرات في تقييم الأداء الاقتصادي، فإن تحقيقها لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع الاجتماعية لجميع الفئات، ما لم تنعكس نتائج النمو على فرص الشغل ومستويات الدخل والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
ويتمثل التحدي الأساسي في ضمان انتقال أثر الاستثمار والنشاط الاقتصادي إلى الحياة اليومية للمواطنين، خصوصًا الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي تتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار المواد الأساسية وارتفاع النفقات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تقييم البرنامج الحكومي وفق مؤشرات تتجاوز معدلات النمو والتضخم، لتشمل تطور الأجور، وجودة فرص العمل، ومستوى النفقات الأساسية، ومدى استفادة مختلف الفئات الاجتماعية من ثمار التنمية.
فالمطلوب ليس التشكيك في الأهداف المعلنة، وإنما الوقوف على مدى واقعيتها، وتحديد الوسائل المعتمدة لتحقيقها، وقياس أثرها الفعلي على مستوى عيش المواطنين.
أسعار الخضر.. حين تتحول الوعود إلى اختبار يومي
تظل أسعار الخضر والمواد الغذائية الأساسية من أبرز المؤشرات التي تعكس واقع القدرة الشرائية للأسر المغربية، بالنظر إلى حضورها اليومي في نفقات الاستهلاك.
فارتفاع أسعار بعض المنتجات، ومنها البصل، يضع الأسر أمام خيارات صعبة في تدبير ميزانياتها، خصوصًا عندما لا تواكب المداخيل تطور النفقات.
غير أن معالجة هذه الإشكالية تقتضي النظر إلى مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتسويق، بما يشمل تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع، فضلًا عن مستوى المنافسة وشفافية الأسعار داخل الأسواق.
وفي هذا الإطار، ينتظر المستهلك من الحكومة إجراءات ملموسة لتعزيز مراقبة الأسواق، وتحسين تنظيم مسالك التوزيع، والتصدي للممارسات غير المشروعة، مع مراعاة مصالح الفلاحين والمنتجين الصغار وضمان شروط منصفة لتسويق منتجاتهم.
وتبرز هنا ضرورة تحديد التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لحماية القدرة الشرائية، والآجال التي ستلتزم بها، والمؤشرات التي ستعتمدها لقياس أثر هذه الإجراءات على الأسعار.
التشغيل والشباب.. الحاجة إلى فرص مستدامة
يمثل التشغيل أحد المحددات الأساسية للقدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي، إذ يظل الدخل المنتظم مدخلًا رئيسيًا لتحسين ظروف العيش وتعزيز استقلالية الأفراد والأسر.
ومن ثم، فإن وضع الاستثمار وخلق فرص العمل ضمن الأولويات الحكومية يقتضي توضيح طبيعة المناصب المستهدفة، ومدى استقرارها، ومستويات الأجور المرتبطة بها، وتوزيعها بين الجهات والفئات الاجتماعية.
كما أن انتظارات الشباب لا تقتصر على برامج التكوين والتأهيل، بل تشمل توفير فرص فعلية للاندماج في سوق الشغل، وتيسير إحداث المشاريع، وتحسين شروط التمويل والمواكبة، بما يسمح بتحويل الكفاءات إلى فرص اقتصادية منتجة.
وتزداد أهمية التقييم الدوري لسياسات التشغيل من خلال نشر بيانات واضحة بشأن عدد مناصب الشغل المحدثة فعليًا، ونوعية العقود والأجور، ومدى استفادة الشباب والنساء، إلى جانب المناطق التي تواجه محدودية في فرص العمل.
فنجاح السياسات الموجهة إلى التشغيل لا يقاس فقط بحجم البرامج المعلنة، وإنما بقدرتها على توفير فرص مستقرة وتحسين الدخل وتعزيز الإدماج الاقتصادي.
الصحة والتعليم.. جودة الخدمات في صلب المحاسبة
يشكل إصلاح قطاعي الصحة والتعليم أحد أبرز الاختبارات التي ستحدد مدى استجابة البرنامج الحكومي لانتظارات المواطنين، خصوصًا في ما يتعلق بجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
ففي القطاع الصحي، ينتظر المواطن تحسين ظروف الاستقبال، وتقليص فترات الانتظار، وضمان توفر الأدوية والتجهيزات والأطر الطبية، بما يعزز الثقة في المؤسسات الصحية العمومية.
أما في قطاع التعليم، فتظل الأولوية مرتبطة بتحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وتطوير ظروف التمدرس، وتقليص الفجوة بين المؤسسات التعليمية في المدن والمناطق القروية.
ولا يكفي الإعلان عن إصلاحات أو تخصيص ميزانيات إضافية لضمان تحقيق هذه الأهداف، ما لم تقترن التدابير المعتمدة بمؤشرات واضحة تقيس جودة الخدمات والنتائج المحققة على أرض الواقع.
ومن هنا، فإن تقييم الأداء الحكومي في هذين القطاعين ينبغي أن ينطلق من أثر الإصلاحات على المواطن، ومدى تحسن الخدمات التي يحصل عليها، وليس فقط من حجم الموارد المالية المرصودة.
البرلمان والمعارضة.. الرقابة شرط لتنفيذ الالتزامات
يشكل عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان بداية لمسار من النقاش والمراقبة، وليس محطة تنتهي بانتهاء المناقشات السياسية.
وتبرز مسؤولية المؤسسة التشريعية في مساءلة الحكومة بشأن تفاصيل التزاماتها، ومصادر تمويل المشاريع، والجدول الزمني للتنفيذ، ومدى الانسجام بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والموارد المتاحة.
كما تضطلع المعارضة بدور أساسي في مراقبة الأداء الحكومي، من خلال تحليل المعطيات، وتقديم البدائل، وطرح الأسئلة المرتبطة بمدى تنفيذ التعهدات، بعيدًا عن الاكتفاء بالمواقف العامة أو الاعتراض غير المدعوم بالأرقام.
ويظل من حق المواطنين الاطلاع على حصيلة دورية توضح ما تحقق من الأهداف المعلنة، وما واجه التنفيذ من صعوبات، والأسباب التي قد تؤدي إلى تأخر بعض المشاريع أو عدم بلوغ النتائج المستهدفة.
وتكتسي هذه الرقابة أهمية خاصة في الملفات المرتبطة بالأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والسكن، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على الاستقرار الاجتماعي ومستوى الثقة في المؤسسات.
الخلاصة.. الرهان على النتائج لا الوعود
يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الطموحة، غير أن التحدي الأساسي يظل مرتبطًا بمدى القدرة على تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
فالمواطن ينتظر تحسنًا فعليًا في قدرته الشرائية، وفرصًا أكثر استقرارًا للشغل، وخدمات صحية وتعليمية ذات جودة، إلى جانب توزيع أكثر إنصافًا لثمار التنمية بين الفئات والمناطق.
وتقتضي متابعة تنفيذ البرنامج الحكومي اعتماد مؤشرات واضحة، وآجال محددة، وآليات منتظمة للتقييم والمحاسبة، بما يتيح للرأي العام الوقوف على مستوى التقدم المحقق ومقارنته بالأهداف المعلنة.
وفي المحصلة، فإن نجاح البرنامج لن يتحدد فقط بما يتضمنه من تعهدات، بل بمدى انعكاسه على الحياة اليومية للمغاربة، وقدرته على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية. فالمسؤولية الحكومية تظل مرتبطة بما يتحقق فعليًا خلال سنوات التنفيذ، وبمدى وضوح النتائج وإمكانية مساءلة المسؤولين عنها.
أصوات ميديا – قراءة صحفية نقدية في البرنامج الحكومي