من رماد المكتبة إلى جائزة كتارا.. مهند الدابي يوثّق وجع الحرب السودانية برواية عن الذاكرة والأمل
من خسارة مكتبة جمع محتوياتها على مدى ثلاثة عقود إلى التتويج بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026، يختزل المسار الأدبي للروائي السوداني مهند رجب الدابي تجربة قاسية امتزج فيها الفقد الشخصي بمآسي الحرب، لتتحول الكتابة إلى وسيلة لمقاومة النسيان واستعادة الذاكرة الإنسانية.
فقد الدابي مكتبته الخاصة ومخطوطات أدبية أمضى سنوات في إنجازها بعدما التهمتها النيران، في خسارة لم تقتصر على الكتب والأوراق، بل امتدت إلى جزء أساسي من تكوينه الثقافي ومشروعه الإبداعي. غير أن هذه التجربة لم توقف مسيرته، بل دفعته إلى مواصلة الكتابة واستحضار آثار الحرب السودانية وما خلفته من عنف وانتهاكات ومعاناة إنسانية، وفق شهادته.
ومن هذه التجربة برزت روايته «حصار الغزالة واو»، التي حصدت جائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026 ضمن فئة الروايات العربية المنشورة، لتمنح صاحبها فرصة أوسع للتعريف بالتجربة السودانية ونقل جانب من معاناة المجتمع إلى قراء داخل العالم العربي وخارجه.
«حصار الغزالة واو».. حكاية عودة تصطدم بواقع الحرب
تتمحور أحداث الرواية حول الدكتورة وصال الدرديري، التي تعود إلى السودان بعد عشرين عامًا قضتها في أوروبا، رفقة زوجها وابنتيها اللتين لا تعرفان البلاد ولا تتحدثان اللغة العربية.
وتبدو العودة في بدايتها محاولة لاستعادة الصلة بالجذور والوطن، قبل أن تتحول إلى مواجهة مع واقع مضطرب، تفرض فيه الحرب والتحولات الاجتماعية والسياسية ظروفًا قاسية على الأسرة، وتضع أفرادها أمام تحديات لم تكن في الحسبان.
ومن خلال تطور الشخصيات ومساراتها، يرصد الدابي تسلل الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتأثيرها في العلاقات الإنسانية والمصائر الفردية، حيث لا تظل المعاناة محصورة في ميادين القتال، بل تمتد إلى البيوت والأسر، وتضع الناس أمام احتمالات الاعتقال والفقد والخوف المستمر.
ولا تقتصر الرواية على تصوير العنف المسلح، بل تتناول كذلك القيود الاجتماعية والأبوية التي تحد من حرية النساء وتضيق خياراتهن. ومن خلال هذا التداخل بين الحرب والمعاناة الاجتماعية، يطرح الكاتب أسئلة حول هشاشة الإنسان في أوقات الأزمات، وقدرته على التمسك بالأمل وسط انهيار الاستقرار.
وتقدم الرواية الحرب باعتبارها قوة تعيد تشكيل الحياة وتفرض على الشخصيات مواجهة اختبارات متواصلة، حتى عندما تبدو فرص النجاة ممكنة. فمغادرة مكان الخطر لا تعني بالضرورة التخلص من آثاره النفسية والاجتماعية، إذ تظل الذاكرة محملة بالخوف والفقد.
مكتبة احترقت بعد ثلاثين عامًا من الشغف
وراء الرواية المتوجة قصة شخصية مؤلمة عاشها الدابي بعدما فقد مكتبته الخاصة، التي استغرق جمعها ثلاثين عامًا، إلى جانب مخطوطات وأعمال أدبية لم تجد طريقها إلى النشر.
وفي حديثه إلى «العربية.نت»، ربط الكاتب بين هذه الخسارة وتجربته مع الحرب، موضحًا أن الكتابة أصبحت وسيلته للتعبير عن الألم وتوثيق ما يقول إنه شاهده من انتهاكات ومشاهد عنف.
وقال الدابي: «كتبت الرواية انتقاماً لمكتبتي التي جمعتها طوال 30 عاماً، ثم أحرقها المتمرد ليوقد بها ناراً للشاي».
كما استحضر مشاهد مروعة قال إنه عاينها خلال الحرب، من بينها مقتل امرأة سودانية وطفليها في واقعة وصفها بأنها من التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه، مشيرًا إلى أن الكتابة شكلت وسيلته للتعامل مع ما شاهده من مآسٍ.
ويأمل الروائي أن تظل أعماله شاهدًا على ما عاشه السودانيون والسودانيات خلال الحرب، وأن تسهم في إبقاء معاناة الضحايا حاضرة في الذاكرة الجماعية، بعيدًا عن خطر النسيان أو تراجع الاهتمام بما جرى.
وتكشف هذه الشهادة عن ارتباط عميق بين الذاكرة الشخصية والمشروع الأدبي للكاتب؛ فالمكتبة التي جمعها منذ سنوات شبابه لم تكن مجرد رصيد من الكتب، بل مساحة تشكلت داخلها رؤيته الثقافية وتطورت فيها تجربته الإبداعية.
ومن بين الأعمال التي قال إنه فقدها رواية «السرايا الصخرية»، إلى جانب كتابات أنجزها بين عامي 2018 و2023، وهي خسارة إضافية لمشروع أدبي كان يسعى إلى تطويره وتوسيعه.
الكتابة في مواجهة العنف والنسيان
لا يفصل الدابي بين احتراق مكتبته ومشاهد العنف التي يقول إنه شهدها خلال الحرب، إذ يرى في التجربتين وجهين لفقد ترك أثرًا عميقًا في حياته، ودفعه إلى تحويل الألم إلى مادة أدبية تستعيد الأحداث وتطرح أسئلة حول آثارها على الإنسان والمجتمع.
وفي هذا السياق، تتجاوز الرواية مجرد تسجيل الوقائع، لتقترب من انعكاساتها النفسية والاجتماعية، وتمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن الخوف والفقد ومحاولات التمسك بالحياة وسط ظروف قاسية.
فإذا كانت التقارير والأرقام قادرة على رصد حجم الخسائر والدمار، فإن الأدب يتيح الاقتراب من التجارب الإنسانية من خلال الحكايات والشخصيات والمصائر الفردية، بما يساعد على فهم أعمق لما تتركه الحروب من جروح تتجاوز آثارها المادية.
وتستند الرواية، بحسب ما أورده مؤلفها، إلى أحداث مستوحاة من الواقع، أعاد تشكيلها داخل بناء سردي يستكشف آثار الحرب في الأفراد والعائلات. ومن خلال هذا المسار، تتحول الكتابة إلى محاولة لفهم التجربة الإنسانية، وليس فقط وصف ما وقع خلالها.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة عندما تتعرض المكتبات والمؤسسات الثقافية والممتلكات للتدمير، إذ يصبح حفظ الحكايات والوثائق والذاكرة جزءًا من مقاومة محو آثار الحرب.
جائزة كتارا تفتح آفاقًا جديدة للرواية السودانية
يمثل فوز «حصار الغزالة واو» بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026 محطة بارزة في مسيرة مهند الدابي، بالنظر إلى ما يتيحه التتويج من فرص للتعريف بعمله الأدبي والوصول إلى جمهور أوسع.
وتبلغ قيمة الجائزة، وفق المعطيات الواردة، 30 ألف دولار، إلى جانب ترجمة الرواية الفائزة إلى اللغة الإنجليزية، بما يعزز فرص انتشارها خارج نطاق القراء الناطقين بالعربية.
وعبّر الدابي عن سعادته بالمساهمة في إدخال الفرحة إلى قلوب السودانيين في مختلف أنحاء العالم، معربًا عن أمله في أن يتجاوز السودان محنته ويستعيد السلام والاستقرار.
كما دعا إلى التعامل مع الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد برؤية ناضجة ومسؤولة، ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية، في رسالة تربط بين تجاوز آثار الحرب والحفاظ على الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
ويكتسب هذا التتويج بعدًا يتجاوز النجاح الفردي للكاتب، إذ يمنح الرواية السودانية فرصة إضافية للحضور في المشهد الثقافي العربي، ويسلط الضوء على التجارب الإبداعية التي تحاول التعبير عن التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع السوداني.
وبالنسبة إلى الدابي، تبدو الجائزة فرصة لإيصال صوته إلى قراء جدد، وإبقاء الأسئلة التي تطرحها الحرب مفتوحة أمام النقاش، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى مساحات للتعبير والتأمل وإعادة بناء الروابط الإنسانية.
مسيرة أدبية تواصل طريقها رغم الخسائر
وُلد مهند الدابي قبل 41 عامًا، وراكم خلال مسيرته عددًا من الأعمال الروائية، من بينها «سحرة الضفاف» الصادرة سنة 2014، و«هوج النيازك» سنة 2016، و«أطياف هنري ولكم» سنة 2018، و«وقائع جبل مويا» سنة 2020.
كما يدير مؤسسة نيرفانا الثقافية، التي قال إن قوات الدعم السريع احتلت مقرها في الخرطوم واستخدمته ثكنة عسكرية، في واقعة تعكس، وفق روايته، جانبًا من الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الثقافية خلال الحرب.
ويعمل الروائي حاليًا على مشروع روائي جديد لا يزال مخطوطه في مرحلة المراجعة والتحرير، مواصلًا بذلك مسيرته الإبداعية رغم ما تعرض له من خسائر طالت مكتبته ومخطوطاته ومحيطه الثقافي.
وتعكس هذه الاستمرارية إصراره على مواصلة الكتابة، وتحويل التجارب القاسية إلى مادة للتأمل والسرد، بدل السماح للخسارة بأن تكون نهاية مشروعه الأدبي.
من رماد المكتبة إلى حفظ الذاكرة
بين مكتبة جمعها على مدى سنوات طويلة ثم فقدها، ومخطوطات لم تر النور، وتجارب عنيفة يقول إنه لم يجد سبيلًا إلى مواجهتها سوى الكتابة، يواصل مهند الدابي مشروعه الأدبي ساعيًا إلى منح الحرب وجهًا إنسانيًا يتجاوز الأرقام والعناوين العامة.
وفي رواية «حصار الغزالة واو»، لا تقتصر المحاولة على استعادة ما فُقد، بل تمتد إلى حفظ أثر التجربة في الذاكرة، وتحويل الألم إلى حكاية قادرة على الوصول إلى أجيال جديدة وفتح المجال أمام فهم أعمق لمعاناة الإنسان في زمن الحرب.
فالكلمات لا تستطيع إعادة الكتب التي التهمتها النيران، ولا تعويض الأرواح التي أزهقتها النزاعات، لكنها تملك القدرة على مقاومة اختفاء الحكايات، وإبقاء أصوات الضحايا حاضرة في الوعي الجماعي.
وهكذا، تصبح الكتابة في تجربة الدابي شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية والإنسانية؛ مقاومة لا تمحو آثار الحرب، لكنها تسعى إلى منع النسيان من أن يتحول إلى امتداد آخر للمأساة.