جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

لماذا يفشل التغيير عندما تعود الوجوه نفسها إلى مواقع القرار؟

بقلم: عبدالله العبادي، كاتب صحافي مختص في الشؤون العربية والإفريقية

في خضم النقاش الدائر حول تشكيل الحكومة الحالية، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن قدرة المشهد السياسي على إحداث تحول حقيقي يستجيب للتطلعات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، ويستفيد من دروس التجارب السابقة. وفي مقدمة هذه التساؤلات يبرز سؤال أساسي: هل يمكن للشخصيات التي ارتبطت مراحل من مسارها السياسي بتعثرات في التدبير أن تكون جزءاً محورياً من مشروع التغيير المنشود؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال، لكن التجارب السياسية تطرح إشكالية واضحة: كيف يمكن تحقيق نتائج مختلفة في ظل استمرار الوجوه نفسها، وتكرار المقاربات ذاتها، وإعادة إنتاج أساليب التدبير التي فقدت جزءاً من ثقة المواطنين؟ فالتغيير لا يُقاس فقط بتبديل البرامج والشعارات، بل بمدى القدرة على تجديد النخب، وتطوير طرق العمل، وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

مغرب المرحلة المقبلة.. رهانات كبرى تستدعي رؤية جديدة

يدخل المغرب مرحلة تتسم بتعدد الأوراش الاستراتيجية وتزايد التحديات الداخلية والخارجية، في ظل ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية تتطلب كفاءات قادرة على الابتكار، واتخاذ القرار، وتسريع وتيرة الإنجاز. ومن هذا المنطلق، يصبح تجديد النخب وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية من بين المداخل الأساسية لتعزيز فعالية العمل الحكومي.

إن الرهان لا يتعلق برفض جميع الأسماء التي سبق لها تحمل المسؤولية، لمجرد أنها تنتمي إلى مرحلة سياسية سابقة، بل بضرورة إخضاع حصيلتها للتقييم الموضوعي، والتمييز بين من راكم تجربة ناجحة وأثبت قدرته على التطور، ومن ارتبط أداؤه بإخفاقات تستدعي المساءلة والمراجعة.

فاستمرار المسؤول في موقعه لا ينبغي أن يكون امتيازاً دائماً، كما أن العودة إلى مواقع القرار لا يمكن أن تستند إلى الاعتبارات الحزبية أو الحسابات الضيقة وحدها، بل يتعين أن ترتبط بالكفاءة والنتائج والقدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والدولة.

حين تتحول المصالح إلى عائق أمام التغيير

من أبرز التحديات التي تواجه مشاريع الإصلاح احتمال مقاومة التغيير من داخل البنيات القائمة، خصوصاً عندما تتعارض التحولات المطلوبة مع مصالح أو امتيازات راكمتها بعض الأطراف على مدى سنوات.

فقد يجد المسؤول الذي اعتاد أساليب تدبير تقليدية صعوبة في تبني مقاربات جديدة، أو في الانخراط في إصلاحات تفرض مراجعة طرق العمل وإعادة ترتيب الأولويات. كما أن شبكات المصالح، متى تشكلت داخل بعض المؤسسات أو حولها، قد تتحول إلى عائق أمام الإصلاح إذا غابت آليات الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن هذه الإشكالية لا تعني أن كل مسؤول سابق يشكل عقبة أمام التغيير، بل تؤكد ضرورة تقييم الأشخاص وفق أدائهم الفعلي، ومدى استعدادهم للتخلي عن الممارسات غير الفعالة، والانخراط في دينامية إصلاحية واضحة المعالم والأهداف.

فالتغيير الحقيقي لا يحتاج فقط إلى وجوه جديدة، وإنما إلى ثقافة جديدة في تدبير الشأن العام، تقوم على النجاعة والشفافية والمحاسبة، وتضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية.

تجديد الثقة يبدأ من تقييم الحصيلة

إن إعادة إسناد المسؤولية إلى شخصيات ارتبطت في الذاكرة العامة بتجارب لم تحقق النتائج المنتظرة قد تزيد من اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة عندما لا تكون هناك توضيحات بشأن أسباب استمرارها أو عودتها إلى مواقع القرار.

ومن هنا، تبرز أهمية اعتماد تقييم واضح لحصيلة المسؤولين، يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، ويحدد ما تحقق وما تعثر، والأسباب التي حالت دون بلوغ الأهداف المعلنة.

كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة ينبغي ألا يظل مجرد مبدأ دستوري أو شعار سياسي، بل يجب أن يترجم إلى آليات عملية للتتبع والتقييم، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.

فالمواطن لا ينتظر تغيير الأسماء وحده، بل يريد أن يلمس تحسناً في الخدمات العمومية، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وفعالية الإدارة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظاراته. وكلما اتسعت الفجوة بين الوعود والنتائج، ازدادت صعوبة استعادة الثقة.

هل يكفي تغيير الوجوه لإحداث تحول حقيقي؟

رغم أهمية تجديد النخب، فإن التغيير لا يمكن اختزاله في استبدال الأشخاص وحدهم. فقد تفشل الوجوه الجديدة بدورها إذا اشتغلت داخل المنظومة نفسها، وبالعقليات ذاتها، وفي ظل غياب رؤية واضحة للإصلاح وآليات فعالة للمحاسبة.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الجمع بين تجديد الكفاءات وتحديث أساليب التدبير، وإعادة النظر في آليات اتخاذ القرار، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية، وربط البرامج بالأهداف والنتائج.

كما أن نجاح أي مشروع حكومي يقتضي الانفتاح على الكفاءات الوطنية، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، وتوسيع مشاركة الشباب والطاقات الجديدة في صياغة السياسات العمومية وتنفيذها، بعيداً عن منطق الولاءات والحسابات الانتخابية الضيقة.

فالدولة التي تسعى إلى تسريع وتيرة التنمية تحتاج إلى مسؤولين قادرين على مواكبة التحولات، لا إلى إعادة إنتاج الممارسات التي أظهرت محدوديتها. كما تحتاج إلى مؤسسات تضمن استمرارية الإصلاح، حتى لا تظل النتائج رهينة بتغيير الأشخاص أو تبدل موازين القوى السياسية.

التغيير مسؤولية مشتركة بين الحكومة والأحزاب

لا تقع مسؤولية تجديد النخب على الحكومة وحدها، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في تكوين القيادات وإعداد الكفاءات وتأهيلها لتحمل المسؤولية. فالأحزاب القوية لا تكتفي بإعادة تدوير الأسماء نفسها، وإنما تستثمر في الأجيال الجديدة، وتفتح المجال أمام أصحاب الخبرة والتخصص والمبادرة.

كما أن التغيير يتطلب وضوحاً في المعايير التي تحكم اختيار المسؤولين، وتحديداً دقيقاً للأهداف المنتظرة من كل قطاع، مع إخضاع الأداء لتقييم دوري يتيح تصحيح المسار قبل تراكم الاختلالات.

وفي المقابل، يبقى المجتمع والإعلام والهيئات الرقابية شركاء أساسيين في تتبع السياسات العمومية، ومساءلة المسؤولين، وتعزيز النقاش العام القائم على المعطيات والنتائج، بدل الاكتفاء بالأحكام المسبقة أو المواقف المرتبطة بالأشخاص.

إن المطلوب ليس إقصاء كل الوجوه القديمة، ولا منح الفرصة لكل وجه جديد دون تقييم، بل إرساء ثقافة سياسية تجعل الكفاءة والإنجاز والنزاهة معايير أساسية لتولي المسؤولية والاستمرار فيها.

الخلاصة: لا تغيير حقيقياً دون تغيير في العقلية والأداء

إن إعادة إنتاج الوجوه نفسها دون تقييم حصيلتها، أو تجديد النخب دون إصلاح أساليب التدبير، قد يؤديان إلى استمرار الإشكالات ذاتها، وتأجيل فرص الإصلاح التي ينتظرها المواطنون. أما التغيير الفعلي، فيقتضي الجمع بين الكفاءات المناسبة والرؤية الواضحة والقدرة على التنفيذ والمحاسبة.

فالمغرب، بما يواجهه من رهانات تنموية واستراتيجية، يحتاج إلى مسؤولين يضعون المصلحة الوطنية في صدارة أولوياتهم، ويملكون القدرة على اتخاذ القرارات الضرورية، وتسريع الأوراش الكبرى، والتعامل مع الملفات الداخلية والخارجية بروح المسؤولية والكفاءة.

فالمشكلة ليست في عودة الوجوه القديمة بحد ذاتها، بل في عودة الأخطاء القديمة دون مراجعة أو محاسبة. والتغيير الذي لا ينعكس على الأداء والنتائج يظل مجرد تبديل في المواقع، لا تحولاً حقيقياً في مسار الدولة.