جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

أزمة الوقود تخنق الشارع الإيراني.. طوابير أمام المحطات وضغوط متصاعدة على الاقتصاد

لم تعد أزمة الوقود في إيران مجرد أرقام ترد في التقارير الاقتصادية، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه المواطنون في شوارع طهران ومدن أخرى، حيث تصطف السيارات أمام محطات البنزين، ويتزايد الضغط على السائقين وأصحاب الأعمال الذين يعتمد دخلهم بصورة مباشرة على توفر الوقود.

وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار الضغوط الأميركية على إيران، وتراجع إنتاج المشتقات النفطية بعد الأضرار التي لحقت بعدد من المنشآت، إلى جانب الصعوبات التي تواجه حركة الشحن والإمداد البحري.

أزمة تبدأ من المنشآت وتنتهي عند السائق

تبدأ تداعيات أزمة الوقود قبل وصولها إلى محطات التعبئة. فأي تضرر في المنشآت النفطية أو انخفاض في قدرتها الإنتاجية يؤدي إلى تراجع كميات البنزين والديزل المتاحة في السوق المحلية.

وتزداد حدة المشكلة عندما تتزامن مع صعوبات في النقل والإمداد، ما يجعل تعويض النقص أكثر كلفة وتعقيدا. وفي نهاية هذه السلسلة، يتحمل السائقون وأصحاب الأعمال والأسر جانبا كبيرا من التداعيات.

بالنسبة إلى سائقي سيارات الأجرة والنقل، لا يمثل الوقود مجرد تكلفة تشغيلية، بل يرتبط مباشرة بالقدرة على العمل وتأمين الدخل. أما التجار وأصحاب خدمات التوصيل والنقل، فينعكس اضطراب الإمدادات على كلفة أعمالهم، قبل أن تنتقل آثار ذلك تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات.

دعوات إلى خفض الاستهلاك

في مواجهة هذا الوضع، دعت الحكومة الإيرانية المواطنين إلى خفض استهلاك الوقود، في محاولة لتخفيف الضغط على الإمدادات وتوجيه الموارد المتاحة نحو احتياجات تعتبرها أكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الأدوية والسلع الأساسية وإصلاح المنشآت المتضررة.

وتكشف هذه الدعوة عن حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة، إذ باتت مطالبة بإدارة موارد محدودة بين احتياجات النقل اليومية ومتطلبات أخرى فرضتها الظروف الاقتصادية والأمنية.

ولا تبدو الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك مجرد إجراء مؤقت، بل جزءا من محاولة أوسع لإدارة سوق يعاني نقصا في الإمدادات وارتفاعا في كلفة تأمينها.

بدائل لسد فجوة البنزين

كانت إيران تواجه عجزا متزايدا في البنزين حتى قبل تصاعد الضغوط الحالية، ما دفع السلطات إلى تعزيز الاعتماد على الغاز الطبيعي المضغوط كبديل.

وبحسب تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول في جمعية الغاز المضغوط، تسعى الحكومة إلى إعادة مركبات ثنائية الوقود كانت خارج الخدمة إلى العمل، بهدف المساهمة في تعويض عجز يقدر بنحو 6 ملايين لتر من البنزين يوميا.

كما تعتمد إيران على منتجات بتروكيميائية ومشتقات نفطية لإنتاج مواد شبيهة بالبنزين، إلى جانب استيراد كميات تصل إلى نحو 10 ملايين لتر يوميا لتكوين احتياطي استراتيجي، وفقا للمتحدث باسم اتحاد مصدري المنتجات النفطية حميد حسيني.

لكن هذه البدائل لا تخلو من كلفة اقتصادية، إذ تزيد أعباء توفير الوقود وتضغط على منظومة الدعم، في وقت تسعى فيه الدولة إلى الحفاظ على الإمدادات الأساسية وتقليص الاستهلاك.

كيف تنتقل الأزمة إلى أسعار السلع؟

لا يتوقف تأثير نقص الوقود عند محطات البنزين، لأن الوقود يمثل عنصرا أساسيا في تكلفة حركة الاقتصاد اليومية.

ويمكن تتبع انتقال الأزمة عبر ثلاث حلقات رئيسية:

  • تراجع الإنتاج أو اضطراب الإمدادات: يؤدي إلى انخفاض كميات الوقود المتاحة في السوق.
  • صعوبة وصول الوقود إلى المستخدمين: تزيد فترات الانتظار وترتفع كلفة تشغيل سيارات الأجرة والشاحنات وخدمات النقل.
  • ارتفاع تكلفة النقل: يمكن أن ينعكس تدريجيا على أسعار الغذاء والسلع والخدمات التي تعتمد على حركة المركبات.

وبذلك تتحول أزمة الوقود من مشكلة مرتبطة بقطاع الطاقة إلى ضغط اقتصادي واجتماعي أوسع، يمس حركة المواطنين وأعمالهم ومستوى تكاليف المعيشة.

ضغوط خارجية تزيد تعقيد المشهد

تتزامن أزمة المحروقات مع تصعيد أميركي تجاه طهران. فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عواقب اقتصادية قاسية على الدول التي تقدم دعما أو مساعدات لإيران، فيما تحدث وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن فرض عزلة اقتصادية واسعة على طهران.

وفي ظل هذه الضغوط، تصبح قدرة إيران على تأمين احتياجاتها من الوقود مرتبطة ليس فقط بحجم إنتاجها المحلي، وإنما أيضا بسلامة المنشآت النفطية، وقدرة شبكات النقل والتوزيع على العمل، وإمكانية تأمين الإمدادات الخارجية في ظل تعقيدات حركة الملاحة.

من أزمة طاقة إلى أزمة معيشية

تكشف أزمة الوقود في إيران أن امتلاك احتياطيات وموارد نفطية كبيرة لا يعني بالضرورة ضمان وصول الوقود بسهولة إلى المستهلك.

فالمسألة ترتبط بسلسلة متكاملة تبدأ بالإنتاج والتكرير، وتمر بالنقل والاستيراد والتوزيع، وتنتهي عند محطة الوقود والسائق والمستهلك.

ومع استمرار الضغوط على هذه السلسلة، يصبح الوقود أكثر من مجرد سلعة ضرورية لتشغيل السيارات؛ إذ يتحول إلى عامل مؤثر في قدرة الناس على العمل والتنقل، وفي تكلفة نقل السلع والخدمات، وبالتالي في الحياة الاقتصادية اليومية للإيرانيين.