جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

إعادة التموقع.. هل أدرك المغاربة أن الهوية عامل حاسم؟

بعد ما وقع، يبدو أن من الضروري طرح سؤال جوهري: هل أدرك المغاربة أن مسألة الهوية ليست مجرد شعار، بل عامل حاسم في بناء الدولة والمجتمع وصيانة تماسكهما؟

من نحن؟ أو كما نقول بالدارجة: «شكون حنا؟». سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يرتبط بتاريخ طويل من المقاومة والصمود، تاريخ شكّل فيه المغاربة، عبر محطات متعددة، سداً أمام أطماع قوى وإمبراطوريات كبرى، ودافعوا عن استقلال قرارهم وخصوصيتهم الحضارية.

فمن مقاومة التوسع البرتغالي والعثماني، إلى مواجهة القوى الاستعمارية الأوروبية، وصولاً إلى ملحمة المقاومة الوطنية والحركة الفدائية، ظل الرابط بين العرش والشعب أحد أبرز عناصر التعبئة الوطنية. وتجسدت هذه العلاقة بشكل واضح خلال مرحلة نفي السلطان محمد الخامس، حين تحول التشبث بالشرعية إلى موقف شعبي واسع، قدم المغاربة خلاله تضحيات كبيرة دفاعاً عن السيادة والهوية الوطنية.

غير أن السؤال اليوم لا يتعلق فقط بالماضي، وإنما بالحاضر والمستقبل.

فالمغرب أمام تحولات عميقة تفرض إعادة النظر في عدد من الاختلالات التي أصبحت واضحة، وفي مقدمتها ضعف الثقة، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وانتشار بعض مظاهر الانتهازية والنفاق الاجتماعي، فضلاً عن الإحساس بوجود تفاوتات وإقصاء يحولان دون تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.

ومن هنا، ألم يحن الوقت لإطلاق «ثورة ملك وشعب» جديدة، لا تقوم على المواجهة، وإنما على إعادة بناء الإنسان المغربي وترسيخ الرابط الوطني بين مختلف مكونات المجتمع؟

إن المرحلة تقتضي مشروعاً وطنياً متجدداً، يقوم على ترسيخ المواطنة، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد والريع والاحتكار، وفتح المجال أمام مشاركة عادلة وفاعلة لجميع المغاربة، بعيداً عن الإقصاء أو التمييز.

لقد كشفت الأحداث الأخيرة، بما حملته من مواقف وتفاعلات، الكثير من الحقائق التي لا يمكن تغطيتها بالمجاملات. وأبرزت أن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن فقط في مؤسساته، وإنما أيضاً في التضامن بين أبنائه، وفي قدرة المغربي على دعم أخيه ومساندته والارتقاء به، لا في خداعه أو استغلاله أو ممارسة الوصاية عليه.

فالوطن لن ينهض إلا بسواعد أبنائه وبناته، وبإرادة جماعية تجعل من بناء الإنسان أولوية، ومن العدالة الاجتماعية هدفاً، ومن الوطنية ممارسة يومية لا مجرد خطاب.

وفي ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، فإن المرحلة تفرض على الجميع مراجعة الأولويات، وتجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في ورش وطني حقيقي يعيد الاعتبار للإنسان المغربي ويقوي مؤسسات الدولة ويحصّن المجتمع.

لقد آن الأوان لإعادة التموقع؛ ليس دفاعاً عن الماضي فقط، وإنما استعداداً للمستقبل.