جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

الصين تدخل على خط التوتر بين واشنطن وطهران.. هل تنجح بكين في ضمان اتفاق ينهي المواجهة

يتزايد الحديث عن إمكانية اضطلاع الصين بدور محوري في أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية، فضلاً عن التوترات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية وإعادة فتح مضيق هرمز.

وفي تطور يعكس اتساع هامش التحرك الدبلوماسي لبكين في منطقة الشرق الأوسط، برز مقترح الاستعانة بها كضامن محتمل لأي تفاهم بين واشنطن وطهران، بما قد ينقل دورها من مجرد وسيط دبلوماسي إلى طرف يساهم في متابعة تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

ووفق ما أوردته صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإن مناقشات جارية بشأن إمكانية منح الصين هذا الدور، غير أن المعطيات المتاحة لا تؤكد حتى الآن تلقي بكين طلباً رسمياً أو إعلانها استعداداً واضحاً لتحمل مسؤولية ضمان أي اتفاق مرتقب.

لماذا تراهن الأطراف على الصين؟

تستمد الصين أهمية حضورها في هذا الملف من شبكة مصالحها الاقتصادية والسياسية مع طرفي الأزمة، إذ تربطها علاقات تجارية واسعة مع إيران، كما تحتفظ بقنوات اتصال مع الولايات المتحدة، رغم التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين القوتين.

وتُعد بكين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، حيث تستوعب، وفق معطيات اللجنة الأميركية الصينية للمراجعة الاقتصادية والأمنية، نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، وهو ما يمنحها نفوذاً اقتصادياً مهماً يمكن توظيفه في التأثير على حسابات طهران.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ الدراسات الإيرانية ورئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، محمد محسن أبو النور، أن العلاقات الاقتصادية بين بكين وطهران توفر للصين أوراق ضغط مؤثرة، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على فرض تنازلات إيرانية تتعلق بالأمن القومي أو الملفات الاستراتيجية.

ولا يقتصر النفوذ الصيني على الجانب الإيراني، بل يمتد إلى دول الخليج التي ترتبط معها بكين بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة، ما يجعل استقرار المنطقة وتأمين الممرات البحرية الحيوية مسألة مرتبطة مباشرة بمصالح الاقتصاد الصيني وأمن إمداداته التجارية والطاقية.

من الاتفاق السعودي الإيراني إلى الملف النووي

لا يُعد التحرك الصيني المحتمل في الأزمة الأميركية الإيرانية سابقة في السياسة الخارجية لبكين، فقد سبق لها أن لعبت دوراً دبلوماسياً بارزاً في مارس 2023، عندما استضافت المباحثات التي أفضت إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران.

وشكل ذلك الاتفاق محطة مهمة في تعزيز الحضور الصيني بالشرق الأوسط، وأبرز قدرة بكين على استثمار علاقاتها مع القوى الإقليمية لتقريب وجهات النظر وفتح قنوات للحوار.

كما شاركت الصين في الاتفاق النووي الإيراني الموقع سنة 2015، ضمن مجموعة القوى الدولية التي تفاوضت مع طهران بشأن برنامجها النووي، وأسهمت في ترتيبات التعاون النووي، بما فيها إعادة تصميم مفاعل آراك.

غير أن الانتقال من هذه التجارب إلى ضمان اتفاق بين واشنطن وطهران يبدو أكثر تعقيداً، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة وحجم الخلافات السياسية والأمنية بين الجانبين.

اتفاق أكثر تعقيداً من الوساطة الدبلوماسية

تتجاوز المفاوضات الأميركية الإيرانية مسألة استعادة العلاقات أو تخفيف التوتر السياسي، لتشمل ملفات شديدة الحساسية، من بينها مستويات تخصيب اليورانيوم، والقيود المفروضة على البرنامج النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن أمن الملاحة في مضيق هرمز والترتيبات العسكرية والإقليمية.

وتفرض هذه الملفات على أي جهة تسعى إلى ضمان الاتفاق امتلاك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية قادرة على التعامل مع الخروقات المحتملة، وضمان استمرار الالتزامات رغم تغير الحسابات السياسية لدى الطرفين.

كما تطرح التجربة السابقة للاتفاق النووي الإيراني تساؤلات بشأن فعالية الضمانات الدولية، بعدما انسحبت الولايات المتحدة منه سنة 2018، رغم مشاركة الصين والقوى الكبرى في صياغته.

وهو ما يؤكد أن وجود بكين على طاولة المفاوضات، مهما بلغت أهميته، لا يشكل وحده ضمانة كافية لاستمرار أي تفاهم إذا غابت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.

بكين بين حماية مصالحها وتعزيز نفوذها الدولي

يمثل الانخراط الصيني المحتمل في هذا الملف فرصة لبكين لتعزيز صورتها كقوة دولية قادرة على المساهمة في إدارة الأزمات وتسوية النزاعات، خصوصاً في منطقة ترتبط بأهمية استراتيجية كبيرة لمصالحها الاقتصادية والتجارية.

وفي المقابل، تجد الصين نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب الحفاظ على علاقاتها مع طهران، وتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية مع واشنطن ودول الخليج، دون الانخراط في التزامات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع أحد أطراف الأزمة.

كما أن ضمان أي اتفاق محتمل سيضع الدبلوماسية الصينية أمام اختبار حقيقي، يتعلق بقدرتها على الانتقال من سياسة الوساطة والتقريب بين المواقف إلى تحمل مسؤولية متابعة تنفيذ تفاهمات تتشابك فيها المصالح النووية والاقتصادية والأمنية.

هل تتحول الصين إلى ضامن فعلي للاتفاق؟

يبقى الدور الصيني المحتمل مرتبطاً بطبيعة الاتفاق الذي يمكن أن تتوصل إليه واشنطن وطهران، وبمدى قبول الطرفين بمنح بكين صلاحيات أو مسؤوليات واضحة في متابعة تنفيذ الالتزامات.

فنجاح أي ضمانة دولية لا يرتبط فقط بثقل الدولة التي تقدمها، وإنما بوجود آليات واضحة للتحقق والمراقبة، والتزامات متبادلة، وضمانات تحول دون انهيار التفاهمات عند أول اختبار سياسي أو أمني.

وبين طموح الصين لتعزيز حضورها الدبلوماسي ومصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط، وإصرار واشنطن وطهران على حماية حساباتهما الاستراتيجية، يبدو أن تحويل بكين إلى ضامن فعلي لأي اتفاق سيظل رهيناً بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الوساطة التقليدية.