جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

العنوان: البرلمان للكفاءات لا لصناعة «الترند» والاستعراض.. من يحمي هيبة المؤسسة التشريعية؟

تُطرح اليوم أسئلة جوهرية حول طبيعة التمثيلية السياسية ومعايير اختيار المرشحين للبرلمان، في ظل تنامي حضور منطق الشهرة والاستعراض في المشهد العام. فرفع الشعارات والصراخ باسم الديمقراطية لا يكفيان لترسيخ الممارسة الديمقراطية، كما أن الحضور الإعلامي الواسع لا يشكل بالضرورة دليلاً على امتلاك الكفاءة اللازمة لتحمل المسؤولية التشريعية والرقابية.

فالبرلمان ليس واجهة للاستعراض أو منصة لصناعة «الترند»، ولا فضاءً لعرض الأزياء أو التقاط الصور، بل مؤسسة دستورية تضطلع بمهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة المسؤولين وتمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم. ومن هنا، يبرز السؤال حول مدى احترام هذه الأدوار في ظل بعض الممارسات التي تضع المظهر والشهرة في مقدمة الأولويات، على حساب العمل السياسي الجاد.

وتكمن إحدى الإشكاليات المطروحة في وصول مرشحين إلى المؤسسة التشريعية دون إلمام كافٍ بالدستور، أو بقانون المالية، أو بآليات التشريع ومراقبة السياسات العمومية. وفي هذه الحالة، لا تقتصر المسؤولية على المرشح وحده، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية التي تمنحه التزكية، خاصة عندما تصبح القدرة على استقطاب الأصوات معياراً يتقدم على الكفاءة والاستعداد لتحمل المسؤولية.

الكفاءة السياسية شرط أساسي لبرلمان فعّال

يحتاج المغرب إلى برلمان يضم كفاءات قادرة على تحليل البرامج الحكومية، ومناقشة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ومساءلة الوزراء عن الاختلالات، واقتراح التشريعات والتعديلات التي تستجيب لانتظارات المواطنين. فمناقشة الميزانية تتطلب فهماً للسياسات المالية والاقتصادية، والتشريعات المرتبطة بالعدالة تحتاج إلى إلمام قانوني، بينما تستدعي ملفات التعليم والصحة خبرة ومعرفة بطبيعة التحديات المطروحة.

ومن هذا المنطلق، فإن اختزال العمل البرلماني في الظهور الإعلامي أو التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي يفرغ التمثيلية السياسية من جزء أساسي من مضمونها. فالقوانين لا تُصاغ بعدد الإعجابات، والرقابة البرلمانية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بمدى قدرة المنتخب على فهم الملفات، والمشاركة في النقاشات، وتقديم مقترحات عملية والدفاع عن المصلحة العامة.

ويزداد هذا التحدي وضوحاً عندما تتعامل بعض الأحزاب مع المقاعد البرلمانية باعتبارها مكافأة لأسماء معروفة في الفن أو الإعلام أو صناعة المحتوى الرقمي، أملاً في تحويل شعبيتها الافتراضية إلى أصوات انتخابية. فعدد المتابعين لا يضمن بالضرورة امتلاك مشروع سياسي متكامل، كما أن الشهرة لا تعوض التكوين والخبرة والقدرة على ممارسة المهام التشريعية والرقابية.

الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تجديد النخب

إن اللجوء المتكرر إلى استقطاب شخصيات جاهزة وذات حضور جماهيري قد يعكس، في بعض الحالات، صعوبة تجديد النخب السياسية وتأطير الشباب وإعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية. فبدلاً من الاستثمار في التكوين السياسي، وترسيخ ثقافة المشاركة، وإعداد أطر متمرسة في تدبير الشأن العام، قد تنجذب بعض التنظيمات إلى الحسابات الانتخابية قصيرة المدى.

غير أن بناء مؤسسات قوية لا يتحقق بمجرد تجميع الأصوات أو استقطاب الأسماء اللامعة، بل يتطلب أحزاباً تمتلك برامج واضحة، وتختار مرشحيها على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المواطنين، فضلاً عن الاستعداد للعمل الميداني والتشريعي.

كما أن ضعف أداء بعض المنتخبين أو غيابهم عن النقاشات واللجان البرلمانية من شأنه أن يفاقم أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فحين يلاحظ الناخب أن ممثله لا يشارك بفاعلية في دراسة الملفات أو لا يميز بين الآليات القانونية المختلفة، يصبح من المشروع التساؤل عن المعايير التي حكمت اختياره، وعن مدى التزام الحزب الذي زكاه بمسؤوليته السياسية.

لسنا ضد الفنانين والمؤثرين.. بل ضد تحويل البرلمان إلى منصة للاستعراض

إن انتقاد توظيف الشهرة في العمل السياسي لا يعني رفض ترشح الفنانين أو الإعلاميين أو المؤثرين، ولا التقليل من قدرتهم على الإسهام في الحياة العامة. فهناك شخصيات من هذه المجالات تمتلك تكويناً أكاديمياً ورؤية مجتمعية ومواقف سياسية واضحة، ويمكنها أن تقدم إضافة حقيقية للمؤسسة التشريعية.

المعيار الأساسي، إذن، ليس المهنة أو طبيعة الشهرة، بل الكفاءة والالتزام والقدرة على تقديم مشروع سياسي وخدمة الصالح العام. فالفنان المثقف الذي يمتلك رؤية واضحة، والمؤثر الذي يحمل مشروعاً مجتمعياً ويستوعب متطلبات العمل التشريعي، يمكنهما أن يكونا جزءاً من الحياة السياسية، شأنهما شأن بقية الكفاءات.

المرفوض هو التعامل مع البرلمان باعتباره امتداداً لمنصات التواصل الاجتماعي، أو فرصة لإنتاج محتوى جديد بعد تراجع بريق المحتوى السابق. فالمؤسسة التشريعية لها مكانتها الدستورية، وتمثيل الأمة مسؤولية تتطلب الجدية والاستعداد والعمل المتواصل، لا مجرد الحضور أمام الكاميرات.

إصلاح المنظومة الانتخابية يبدأ من الأحزاب والناخبين

إن الارتقاء بأداء البرلمان يقتضي نقاشاً جاداً حول سبل تطوير المنظومة الانتخابية، وتعزيز معايير اختيار المرشحين، وتشجيع التكوين السياسي والقانوني والاقتصادي، بما يضمن وصول ممثلين قادرين على أداء مهامهم بكفاءة ومسؤولية.

كما تقع على الأحزاب مسؤولية أخلاقية وسياسية في تقديم مرشحين يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة الدستورية والتشريعية، إلى جانب النزاهة والاستعداد للتواصل مع المواطنين والدفاع عن قضاياهم. وفي المقابل، يظل وعي الناخب عاملاً أساسياً في تكريس الاختيار المبني على البرامج والكفاءة، بدلاً من الانجذاب إلى الشهرة أو الخطاب الاستعراضي.

فالمغرب يحتاج إلى برلمان قادر على مواكبة التحولات الوطنية والإقليمية والدولية، وفهم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومناقشة السياسات العمومية برؤية مسؤولة. كما يحتاج إلى منتخبين يمتلكون الخبرة والتجربة، أو الاستعداد الجاد لاكتسابهما، ويضعون مصالح المواطنين فوق الحسابات الشخصية والاعتبارات الدعائية.

فالبرلمان ليس مكافأة على الشهرة، بل أمانة وطنية ومسؤولية دستورية. وقوة المؤسسات لا تُقاس ببريق الأسماء التي تدخلها، بل بقدرة أعضائها على التشريع والمراقبة والدفاع عن مصالح الأمة. وبين من يبحث عن «الترند» ومن يسعى إلى صناعة القرار، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء تمثيلية سياسية تجعل الكفاءة والمصداقية وخدمة المواطن أساساً للعمل البرلماني.