جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

«المقاصة الرمادية».. انفجار شرقي القناة يفتح باب التساؤلات حول حدود التصعيد الإقليم

يفتح الانفجار الذي استهدف مستودعاً للعتاد تابعاً لهيئة الحشد الشعبي شرقي القناة في العاصمة العراقية بغداد، وفق المعطيات الواردة في التقرير، الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الحادث وخلفياته المحتملة، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتشابك المصالح وتعدد بؤر التوتر وتزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية.

وتتراوح القراءات المطروحة بين احتمال وقوع خلل فني أو حادث عرضي، وبين فرضيات تتحدث عن استهداف محتمل يندرج ضمن محاولات اختبار القدرات الأمنية وقياس ردود الفعل العراقية. غير أن تحديد طبيعة الحادث يظل رهيناً بنتائج التحقيقات والأدلة الفنية المستقلة، في ظل غياب معطيات حاسمة تسمح بتبني تفسير نهائي.

ويضع الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ثائر العجيلي، هذه الواقعة ضمن ما يسميه «نافذة جسّ النبض»، وهي مرحلة يرى أنها تتسم بحساسية متزايدة في الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الملفات النووية وأسواق الطاقة والتوازنات السياسية.

ويستند التقرير إلى مفهوم «المقاصة الرمادية» لوصف نمط من إدارة الصراعات تسعى فيه الأطراف، وفق هذه القراءة، إلى ممارسة الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر إبقاء العمليات المحتملة ضمن مستويات محدودة، وتجنب تحمل مسؤولية التصعيد بصورة مباشرة.

أولاً: حساسية الموقع وتحديات احتواء التداعيات

تكتسب واقعة الانفجار أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الموقع الذي شهد الحادث، وما يرتبط به من اعتبارات أمنية ولوجستية. ومع ذلك، فإن أهمية الموقع وحدها لا تكفي لإثبات وجود عملية استهداف متعمدة أو تحديد الجهة التي قد تكون وراءها.

ويركز التقرير على ثلاثة عناصر أساسية في قراءة الحدث:

  • الحساسية الجغرافية والأمنية: إذ يمكن لموقع الانفجار أن يثير تساؤلات بشأن إجراءات الحماية وسلامة تخزين العتاد، بصرف النظر عن السبب النهائي للحادث.

  • احتواء التداعيات السياسية: يرى التقرير أن التمسك برواية الحريق العرضي أو وجود عتاد تالف قد يعكس رغبة في الحد من التوتر وتجنب ردود فعل متسرعة، غير أن تفسير المواقف الرسمية يظل مرتبطاً بالتصريحات والوقائع المتاحة.

  • التداخل بين الضغوط الاقتصادية والأمنية: يأتي الحادث، وفق التحليل، في سياق إقليمي تتشابك فيه العقوبات والضغوط المالية مع الاعتبارات الأمنية، الأمر الذي يزيد من تعقيد قراءة التطورات.

ويؤكد هذا السياق أهمية الفصل بين الوقائع الميدانية المؤكدة والتفسيرات السياسية المحتملة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحداث يمكن أن تؤثر في حسابات الردع والتوازنات الإقليمية.

ثانياً: فرضيات الاستهداف وحدود الأدلة الفنية

يتناول التقرير عدداً من الفرضيات التقنية التي قد تُطرح عند تحليل حادث من هذا النوع، من بينها احتمال وجود خلل في أنظمة المراقبة أو التحكم، أو اضطرابات في الاتصالات، أو استهداف خارجي. غير أن هذه الاحتمالات تظل افتراضية، ولا يمكن اعتماد أي منها تفسيراً للحادث دون أدلة فنية موثوقة.

وفي هذا الإطار، يبرز التحليل ثلاثة مسارات عامة للتفسير:

  • الخلل الفني أو الحادث العرضي: وهو احتمال يستوجب فحص ظروف التخزين، وحالة العتاد، وأنظمة السلامة، وتحديد نقطة بداية الحريق أو الانفجار.

  • الاختراق الإلكتروني أو اضطراب الاتصالات: وهي فرضيات تحتاج إلى أدلة رقمية وتقارير فنية تثبت وجود اختراق أو تشويش مرتبط زمنياً بالحادث.

  • الاستهداف الخارجي: وهو احتمال يتطلب أدلة مادية وتحقيقات مستقلة لتحديد طبيعة الهجوم، إن ثبت وقوعه، وتقييم الجهة المسؤولة عنه.

ويشدد المنظور التحليلي على أن غموض الحادث أو تضارب الروايات الأولية لا يشكلان في حد ذاتهما دليلاً على وجود عملية استخباراتية أو عسكرية متعمدة. كما أن تحديد وسيلة الاستهداف أو الجهة المسؤولة يظل سابقاً لأوانه ما لم تتوافر نتائج تحقيق قابلة للتحقق.

ثالثاً: «السكون المريب».. هل يعني الاحتواء أم انتظار اتضاح الصورة؟

يخصص التقرير مساحة لتحليل غياب التصعيد العلني عقب الحادث، معتبراً أن الهدوء الذي قد يلي واقعة أمنية حساسة لا يعني بالضرورة انتهاء تداعياتها.

ويطرح هذا الهدوء احتمالين رئيسيين: أولهما أن تكون الجهات المعنية بصدد تقييم الأضرار ومراجعة إجراءات الحماية وتحديد أسباب الحادث، وثانيهما أن يكون تجنب التصريحات والتصعيد جزءاً من حسابات سياسية وأمنية أوسع.

وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن الصمت الرسمي يعكس صدمة استخباراتية أو تحضيراً لمرحلة جديدة من المواجهة. فقد يرتبط أيضاً بانتظار نتائج التحقيق أو بالرغبة في عدم تضخيم حادث لم تتضح ملابساته بعد.

ومن هذا المنطلق، فإن المؤشرات الأكثر أهمية في المرحلة التالية تتمثل في نتائج التحقيقات، والإجراءات الأمنية التي ستُعلن، وأي تطورات ميدانية موثقة يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كان الحادث واقعة منفردة أم جزءاً من نمط أوسع من التوتر.

رابعاً: توقيت الحادث وحسابات اختبار الخطوط الحمراء

يربط التقرير توقيت الانفجار بالضغوط الإقليمية والدولية المتزامنة، وبمحاولات الأطراف المختلفة المحافظة على هوامش المناورة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

ووفق هذه القراءة، قد يشكل وقوع حادث أمني في العراق مناسبة لاختبار قدرة المؤسسات العراقية على احتواء تداعياته، ومدى استعداد الأطراف المعنية لتجنب ردود فعل قد تؤدي إلى توسيع دائرة التوتر.

لكن ربط التوقيت بوجود خطة متعمدة لاختبار الخطوط الحمراء يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة إضافية. فالتزامن بين حدث أمني وتطورات سياسية أو اقتصادية لا يثبت بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة بينها.

وتبقى قدرة بغداد على إدارة الموقف مرتبطة بمدى وضوح المعلومات المتاحة، وفعالية المؤسسات الأمنية، وطبيعة التنسيق السياسي والدبلوماسي، فضلاً عن حجم الضغوط التي تمارسها الأطراف الإقليمية والدولية.

خامساً: قراءة ردود الفعل بين الحسابات الأمنية والسياسية

يرى التقرير أن ردود الفعل التي تعقب الحوادث الأمنية قد تحمل دلالات تتجاوز التصريحات العلنية، غير أن تفسيرها يتطلب الحذر والاعتماد على مؤشرات قابلة للتحقق.

فعلى مستوى الفصائل المسلحة، قد يعكس تجنب التصعيد المباشر الرغبة في انتظار نتائج التحقيق أو تفادي مواجهة غير محسوبة. وعلى المستوى الرسمي، قد يرتبط التركيز على فرضية الخلل الفني بالسعي إلى تحديد المسؤوليات قبل اتخاذ أي موقف سياسي أو أمني.

ومع ذلك، لا يكفي غياب الرد العسكري أو محدودية التصريحات للاستنتاج بأن جهة ما نجحت في اختراق منظومة أمنية، أو أن الحكومة تسعى إلى كسب الوقت لأسباب محددة.

وتتمثل الأولوية في هذه المرحلة في التحقق من ملابسات الانفجار، وتحديد طبيعة الأضرار، وتقييم إجراءات الحماية، بما يسمح ببناء تقدير استراتيجي يستند إلى الوقائع بدلاً من الافتراضات.

سادساً: الملف النووي الإيراني والحسابات الروسية

يناقش التقرير التأثير المحتمل للتفاهمات الروسية الإيرانية المتعلقة بالملف النووي في موازين التصعيد الإقليمي، انطلاقاً من فرضية أن أي تقدم دبلوماسي قد يخفف الضغوط المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

ويفترض التحليل أن التوصل إلى تفاهم بشأن التعامل مع اليورانيوم الإيراني المخصب قد يفتح مجالاً لاحتواء التوتر في المسار النووي، بما يتيح للأطراف المعنية إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والأمنية.

غير أن هذه النتيجة ليست حتمية؛ إذ يعتمد أثر أي تفاهم نووي على شروطه وآليات تنفيذه ومواقف الأطراف المعنية ومدى الالتزام به. كما أن انخفاض التوتر في مسار معين لا يعني بالضرورة انتقال التصعيد إلى ساحات أخرى مثل العراق أو سوريا.

وعليه، فإن العلاقة بين المسار النووي والتطورات الأمنية في العراق تحتاج إلى تقييم مستقل يأخذ في الاعتبار المصالح المتباينة والظروف الميدانية لكل ساحة.

سابعاً: أسواق الطاقة والقيود المفروضة على التصعيد

يضع التقرير استقرار أسواق الطاقة ضمن العوامل المؤثرة في حسابات القوى الدولية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الوقود أو اضطراب الإمدادات قد يفرض كلفة اقتصادية وسياسية على الأطراف المنخرطة في أي مواجهة إقليمية.

وفي هذا السياق، يتناول التقرير ما يسميه «صفقة الديزل الروسي-الترامبي»، باعتبارها تفاهمات محتملة مرتبطة بإمدادات الطاقة واستقرار الأسواق. غير أن طبيعة هذه الصفقة وتفاصيلها ونتائجها تحتاج إلى مصادر موثوقة ومستقلة لتأكيدها.

وبوجه عام، يشكل أمن الطاقة وممرات التجارة الدولية أحد الاعتبارات التي قد تدفع القوى الكبرى إلى تفضيل احتواء الأزمات وتجنب اتساع رقعة المواجهات. إلا أن هذه الاعتبارات لا تضمن منع التصعيد، إذ قد تتعارض المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والسياسية.

وتبقى قراءة تأثير الطاقة في مسار الأزمة مرتبطة بحجم الإمدادات المتاحة، واتجاهات الأسعار، والمواقف الرسمية، ومدى ارتباط الأطراف المعنية بمصالح اقتصادية مباشرة في المنطقة.

ثامناً: الرواية الرسمية وحدود الإنكار السياسي

يطرح التقرير مفهوم «التمويه اللوجستي المرتد» في سياق مناقشة كيفية توظيف الروايات الأولية للحوادث الأمنية في إدارة التداعيات السياسية.

فقد تمنح فرضية الخلل الفني الجهات المعنية وقتاً إضافياً للتحقيق، وتحد من الضغوط المطالبة برد فوري قبل اتضاح الوقائع. وفي المقابل، قد يؤدي غياب المعلومات التفصيلية إلى اتساع دائرة التأويلات وظهور فرضيات غير مؤكدة بشأن طبيعة الحادث والجهات المحتملة وراءه.

لكن لا يمكن اعتبار الرواية الرسمية أداة تمويه بصورة تلقائية، كما لا يشكل غياب تبني أي جهة مسؤولية الحادث دليلاً على وجود عملية سرية.

وتظل الشفافية في إعلان نتائج التحقيق، وتوضيح أسباب الانفجار، وتحديد المسؤوليات عند ثبوتها، من أبرز العناصر التي تساعد على الحد من الشائعات وتعزيز الثقة في المؤسسات.

تاسعاً: الحسابات السياسية الإسرائيلية وحدود المواجهة

يتناول التقرير حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ضوء الضغوط السياسية والاعتبارات الأمنية، ويطرح احتمال أن تؤثر الحسابات الداخلية في قرارات التصعيد أو التهدئة.

ووفق هذا التصور، قد تواجه القيادة الإسرائيلية معادلة معقدة بين السعي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية والمحافظة على الدعم الدولي، وبين مخاطر توسيع المواجهة وتكاليفها الأمنية والاقتصادية.

لكن تحديد دوافع القيادة الإسرائيلية أو توقع خياراتها المقبلة يتطلب الاستناد إلى تصريحات رسمية ومؤشرات سياسية وعسكرية موثقة، ولا يمكن استخلاص نوايا محددة من مجرد تزامن الأحداث.

كما أن أي تقدير لمسار المواجهة ينبغي أن يأخذ في الحسبان مواقف الولايات المتحدة، وحسابات إيران، وأوضاع الساحات الإقليمية، ومدى قدرة الأطراف على التحكم في تداعيات أي عملية عسكرية محتملة.

عاشراً: ثلاثة سيناريوهات محتملة لما بعد الانفجار

يقدم التقرير ثلاثة مسارات رئيسية يمكن استخدامها إطاراً تحليلياً لاستشراف التطورات المقبلة، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات ليست تنبؤات مؤكدة، وأن تحقق أي منها يظل رهيناً بالمعطيات اللاحقة.

السيناريو الأول: الاحتواء والتحقيق في الحادث

يقوم هذا السيناريو على أن تكون الواقعة ناجمة عن خلل فني أو حادث عرضي، أو أن تنتهي التحقيقات دون أدلة تثبت وجود استهداف خارجي. وفي هذه الحالة، قد تتجه الجهات المعنية إلى معالجة الثغرات الأمنية وتعزيز إجراءات السلامة، مع تجنب تصعيد سياسي أو عسكري غير ضروري.

السيناريو الثاني: استمرار التوتر والحوادث الغامضة

يفترض هذا المسار استمرار حالة عدم اليقين، مع وقوع حوادث أمنية متفرقة أو ظهور مؤشرات جديدة تزيد من التوتر، دون الوصول بالضرورة إلى مواجهة مفتوحة. ويظل تقييم هذا الاحتمال مرتبطاً بتكرار الوقائع، ووجود أدلة على الترابط بينها، وطبيعة ردود الفعل الرسمية والميدانية.

السيناريو الثالث: اتساع المواجهة وتغير قواعد الاشتباك

يتمثل السيناريو الأكثر خطورة في انتقال التوتر إلى مواجهة أوسع نتيجة رد عسكري مباشر أو سلسلة من العمليات المتبادلة التي يصعب احتواؤها. وقد يؤدي هذا المسار إلى زيادة المخاطر الأمنية والاقتصادية، وتعقيد الجهود الدبلوماسية، ورفع احتمالات امتداد المواجهة إلى ساحات إقليمية متعددة.

غير أن الانتقال إلى هذا السيناريو يتطلب توافر مجموعة من العوامل، من بينها تصاعد الهجمات، وتراجع قنوات التواصل، واتساع نطاق الردود العسكرية. ولذلك لا ينبغي التعامل معه بوصفه نتيجة حتمية للحادث.

الخاتمة: هل يمثل الصمت احتواءً للأزمة أم مرحلة من عدم اليقين؟

يخلص التقرير إلى أن مفهوم «المقاصة الرمادية» يقدم إطاراً لفهم كيفية إدارة التوترات الإقليمية في ظل سعي الأطراف إلى ممارسة الضغط دون تحمل كلفة مواجهة شاملة. غير أن تطبيق هذا المفهوم على انفجار شرقي القناة يظل مرتبطاً بمدى توافر أدلة تثبت وجود صلة بين الحادث وحسابات التصعيد الإقليمي.

ويطرح الباحث ثائر العجيلي تقديراً مفاده أن الفترة الممتدة حتى الأول من نوفمبر 2026 قد تشهد استمرار محاولات احتواء التصعيد، في ظل القيود المرتبطة بأسواق الطاقة والملف النووي والحسابات السياسية الدولية. ويبقى هذا التقدير قراءة استشرافية قابلة للتغير تبعاً للتطورات الميدانية والدبلوماسية.

وفي هذا الإطار، يبرز مساران محتملان للتطور: أولهما اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مواقع أو أهدافاً إضافية، وثانيهما وقوع حوادث متزامنة في أكثر من ساحة بما يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية. غير أن كلا المسارين يظل افتراضياً ما لم تظهر مؤشرات ميدانية موثوقة تدعمه.

وفي المقابل، تظل قدرة الحكومة العراقية على إدارة الأزمة، وتعزيز إجراءات الحماية، والتحقق من أسباب الانفجار، وتجنب القرارات المتسرعة، من العوامل الأساسية في الحد من مخاطر التصعيد.

فالاختبار الحقيقي لا يكمن في تفسير الصمت وحده، بل في القدرة على كشف ملابسات الحادث، وقياس مستوى التهديد الفعلي، ومنع انتقال الغموض الأمني إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.