المغرب يدبر قضاياه الوطنية باستقلالية.. من تدبير النزاع إلى ترسيخ السيادة
المغرب يدبر قضاياه الوطنية بلا وصاية
بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
شكل رحيل المينورسو نقطة تحوّل مفصلية تُعيد رسم ملامح المستقبل وتصوغ قواعد اللعبة السياسية من جديد في المنطقة. إذ نعيش اليوم انتقالاً تاريخياً حاسماً، من الوصاية الأممية إلى السيادة الإرادية المغربية، فلم يعد المغرب الطرف الذي يتلقى التوازنات أو ينتظر التوافقات الإقليمية والدولية لتحديد خطواته، بل أصبح صانعاً للقرار ومهندساً للتحولات الكبرى بأياد مغربية خالصة.
وظهر هذا التحول بوضوح في طبيعة التعاطي المغربي مع ملف بعثة المينورسو. فالمملكة اليوم لم تعد مجبرة على تقديم التبريرات أو الدفاع التقليدي عن وحدتها الترابية، بل إن المغرب يلتزم بوقف إطلاق النار لأنه اختار ذلك لا لأنه مجبر عليه. هذا الوضع التكتيكي الواعي تم استثماره بذكاء دبلوماسي رفيع، ليتحول هذا الالتزام العسكري من مجرد بند ميداني عابر إلى سلاح قانوني وسيادي، يؤكد من خلاله المغرب أنه الطرف الأكثر استقراراً ومسؤولية في المنطقة.
وقد تجلت هذه العقيدة الدبلوماسية الجديدة بأجلى صورها في سرعة وحسم التفاعل الرسمي، إذ لم تكن سوى خمسة أيام فاصلة بين قرار مجلس الأمن وبلاغ الديوان الملكي لكشف العمق الاستراتيجي للسياسة المغربية. فهذا التقارب الزمني القياسي يؤكد أن الإيقاع لم يعد تُمليه الدوائر الأممية، بل تحدده الإرادة الملكية العليا التي تفرض وتيرة الأحداث وتختصر عقوداً من الانتظار في قرارات سيادية نافذة.
وجاء بلاغ الرابع من نونبر ليضع قطيعة تامة مع الماضي، فهو لا يودع بعثة المينورسو بقدر ما يرسم جنازتها بأيادي مغربية. وهنا ينقلب المشهد رأساً على عقب، فما بعد المينورسو يعلن عن تحول المغرب من ضيف يُدار ملفه في أروقة الأمم المتحدة، إلى مدبر حقيقي ومباشر لانسحاب هذه البعثة الأممية. وفي قلب هذا التحول الميداني والإداري، يبرز دور مكتب التنسيق مع المينورسو، هذه المكتب الذي يبدو في الهيكل صغيرا، لكنه في الجوهر المحرك الأساسي الذي سيعبر بالمغرب نحو أكبر تحول تشهده الصحراء منذ 35 سنة، ضامناً انتقالاً سلساً نحو السيادة الوطنية الكاملة بلا فراغ ولا ارتباك.
لكن الأجمل والأعمق في هذه الدينامية، هو أن الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية ظلت دائماً في صدارة الاهتمامات الملكية. فقد عكس بلاغ الديوان الملكي حقيقة ساطعة مفادها أن طمأنة ساكنة الأقاليم الجنوبية كانت هي الأولوية التي سبقت السيادة والأمن. إن المواطن المغربي، واستقراره، وكرامته، ورفاهه، يظل هو الغاية الأساسية التي تُبنى عليها كافة القرارات الاستراتيجية والسيادية.
ومن هذا المنطلق، تتوج هذه المرحلة بنهضة تنموية غير مسبوقة تضع النقاط على الحروف. فبينما ترحل المينورسو تدريجياً، تقف المشاريع المهيكلة الكبرى في العيون والداخلة ومختلف ربوع الصحراء كشاهد حاسم. حيث تمثل هذه الموانئ، والطرق السيارة، والمؤسسات الجامعية والصحية، والاستثمارات الكبرى الاستفتاء الحقيقي والناطق على أرض الواقع. لقد حسمت التنمية المستدامة والاختيار الديموقراطي والتنموي للساكنة كل الأطروحات المتجاوزة، وجعلت من الوجود الأممى تفصيلاً إدارياً هامشياً.