جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.. رهانات المونديال والقدرة الشرائية واختبار ثقة المغارب

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
إعلامي متخصص

تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة في مسارها السياسي، في ظل سياق وطني تتقاطع فيه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة مع رهانات استراتيجية مرتبطة بمستقبل المغرب وموقعه على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتأتي هذه المرحلة في وقت ترتفع فيه انتظارات المواطنين، وتتزايد الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر نجاعة ووضوحاً، قادرة على تحويل البرامج والمشاريع إلى نتائج ملموسة تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية.

ولا تبدو مهمة الحكومة الجديدة سهلة، بالنظر إلى تعدد الملفات المطروحة أمامها، من تعزيز النمو والاستثمار، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم التشغيل، إلى معالجة إشكالية القدرة الشرائية التي أصبحت من أبرز القضايا حضوراً في النقاش العمومي.

فالمواطن المغربي لم يعد يقيس الأداء الحكومي بالخطابات والوعود وحدها، بل بما يلمسه في حياته اليومية؛ من أسعار المواد الأساسية وفواتير الاستهلاك، إلى جودة التعليم والصحة والنقل، ومدى قدرته على تأمين متطلبات العيش الكريم لأسرته.

القدرة الشرائية.. الاختبار الاجتماعي الأبرز

يفرض ارتفاع تكاليف المعيشة نفسه باعتباره أحد أبرز التحديات التي ستواجه الحكومة. فالضغوط التي تواجه ميزانيات الأسر لم تعد قضية اقتصادية محضة، وإنما تحولت إلى ملف اجتماعي وسياسي يرتبط بشكل مباشر بدرجة الثقة في السياسات العمومية.

ومن هذا المنطلق، لن تكون المعالجة الناجعة رهينة بإجراءات ظرفية فقط، وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة تقوم على دعم القدرة الشرائية، وتحفيز الإنتاج الوطني، وتعزيز المنافسة، وتشديد مراقبة الأسواق، مع توجيه آليات الدعم نحو الفئات الأكثر احتياجاً.

ويعيد ذلك إلى الواجهة النقاش حول منظومة الدعم وصندوق المقاصة، في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية باتجاه آليات أكثر استهدافاً. ويبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين حماية الأسر، ولا سيما الفئات الهشة، والحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للدولة وضمان استدامة السياسات الاجتماعية.

مونديال 2030.. من الاستحقاق الرياضي إلى رهان التنمية

بالتوازي مع الملفات الاجتماعية والاقتصادية، تواجه الحكومة ورشاً وطنياً استثنائياً يتمثل في الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.

فالحدث المرتقب لا يقتصر على كونه موعداً رياضياً عالمياً، بل يفتح المجال أمام تسريع عدد من الأوراش المرتبطة بالبنية التحتية، والنقل، والسياحة، والاستثمار، والتنمية الحضرية.

غير أن الرهان الأكبر يكمن في ضمان استمرار أثر هذه الاستثمارات بعد انتهاء الحدث، وتحويل المشاريع المرتبطة بالمونديال إلى روافع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

وبذلك، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة: إنجاح الاستحقاق الدولي من جهة، وضمان عدم تراجع الأولويات الاجتماعية والاقتصادية اليومية للمواطن من جهة أخرى.

فالاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الكبرى ينبغي أن يتقاطع مع تحسين ظروف العيش، وخلق فرص العمل، وتعزيز جاذبية المدن والجهات، بما يجعل من المونديال فرصة تنموية تتجاوز حدود الملاعب والمرافق الرياضية.

الشباب والتشغيل.. رهان لا يحتمل التأجيل

يظل ملف الشباب والتشغيل واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً. فالشباب المغربي يتطلع إلى فرص حقيقية للاندماج الاقتصادي، وإلى تكوين يستجيب لحاجيات سوق الشغل، وإلى بيئة تشجع على المبادرة والمقاولة والاستثمار.

ومن ثم، فإن فعالية السياسات الاقتصادية ستظل مرتبطة بقدرتها على خلق فرص شغل مستقرة، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الابتكار والمبادرة، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة.

فالنمو الاقتصادي، مهما كانت مؤشراته، يظل بحاجة إلى ترجمة عملية في سوق العمل حتى يشعر المواطن بآثاره المباشرة.

الخدمات العمومية.. الواجهة اليومية للدولة

إلى جانب الاقتصاد والتشغيل، سيظل إصلاح الخدمات العمومية معياراً أساسياً في تقييم الأداء الحكومي.

فالمواطن يريد مدرسة أكثر جودة، ومستشفى أكثر نجاعة، وإدارة أسرع وأكثر شفافية، ونقلاً عمومياً يستجيب لحاجياته اليومية.

ورغم أن هذه الملفات تبدو مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية، فإنها تحمل في جوهرها قضية أكبر تتمثل في الثقة في المؤسسات. فالعلاقة بين المواطن والدولة تتشكل بدرجة كبيرة من خلال جودة الخدمات التي يحصل عليها ومدى شعوره بأن السياسات العمومية تستجيب لحاجياته.

التواصل الحكومي.. من الخطاب إلى الأرقام والنتائج

لن يكون التواصل الحكومي أقل أهمية من الملفات الاقتصادية والاجتماعية. فالمرحلة المقبلة تتطلب خطاباً واضحاً وواقعياً، يقوم على شرح القرارات والإكراهات، وتقديم المعطيات والأرقام، والتواصل بشأن النتائج المحققة، مع الاعتراف بمواطن الخلل عندما تكون موجودة.

فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما الذي تحقق، وما الذي تعثر، وما هي الآجال المحددة لتنفيذ البرامج، وكيف يتم قياس أثرها على أرض الواقع.

ومن هنا، فإن الانتقال من الإعلان عن المشاريع إلى تقييم نتائجها سيكون أحد العناصر الأساسية في بناء الثقة وتعزيز مصداقية العمل الحكومي.

بين طموح المستقبل وانتظارات الشارع

تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وفق هذا السياق، مجموعة مترابطة من الرهانات، تتقدمها القدرة الشرائية، والتشغيل، والخدمات العمومية، والاستثمار، والإصلاحات الاجتماعية، والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى.

ويبقى التحدي في القدرة على ترتيب الأولويات وتسريع التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج، بما يضمن أن تتحول البرامج الحكومية إلى إجراءات محسوسة في حياة المواطنين.

فالمغرب يعيش مرحلة متسارعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل العمل الحكومي مطالباً بأن يكون أكثر قرباً من المواطن وأكثر ارتباطاً بالنتائج.

وبين الاستعداد لكأس العالم 2030، وضغوط الأسعار، وانتظارات الشارع، وحاجة الشباب إلى فرص حقيقية، تتشكل معالم مرحلة ستكون فيها النتائج الميدانية عاملاً أساسياً في تقييم الأداء الحكومي.

وفي نهاية المطاف، فإن أثر أي تجربة حكومية يقاس بما تتركه من نتائج في حياة المواطنين. فالمواطن لا يبحث فقط عن المشاريع الكبرى، بل يريد أن يشعر بأن التنمية وصلت إلى حيه ومدينته وبيته، وأن الإصلاحات تحولت إلى واقع ملموس، وأن الخدمات العمومية أصبحت أكثر جودة، وأن فرص العمل تتسع أمام الشباب.

وهنا يكمن التحدي الأساسي أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: تحويل الرهانات الوطنية الكبرى إلى نتائج ملموسة، وجعل المواطن واحتياجاته في صميم السياسات العمومية، بما يعزز التنمية ويقوي الثقة في المؤسسات.