جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

فرنسا على موعد مع احتجاجات واسعة السبت.. تلاميذ ومزارعون و«السترات الصفراء» يصعّدون مطالبهم الاجتماعية

تستعد فرنسا، السبت 17 أكتوبر 2026، لموجة احتجاجات واسعة يُرتقب أن تجمع تلاميذ الثانويات ونشطاء حركة «السترات الصفراء» والمدافعين عن البيئة، إلى جانب مزارعين وسائقي النقل عبر التطبيقات، في تحرك اجتماعي تتداخل فيه المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية والتعليم والسياسات الحكومية، وسط تقديرات رسمية تتراوح بين 70 ألفاً و140 ألف مشارك.

وتأتي هذه التعبئة في سياق تصاعد الاحتقان الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما شهدت عدة مدن فرنسية احتجاجات طلابية تخللتها عمليات إغلاق لمؤسسات تعليمية وتعطيل للدراسة، قبل أن تتسع دائرة التحركات بانضمام فئات مهنية واجتماعية تتقاطع مطالبها بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وفي العاصمة باريس، أعلن محافظ الشرطة باتريس فور، الجمعة، أن السلطات لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع ممثلي الجهات المنظمة بشأن المسار النهائي للمظاهرة، مؤكداً استمرار المشاورات لتحديد الترتيبات المرتبطة بهذا التحرك الاحتجاجي.

وتعكس هذه التطورات اتساع رقعة التعبئة الاجتماعية، في ظل تقاطع مطالب الشباب مع انشغالات فئات أخرى تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة. وفي هذا السياق، اعتبرت صوفي بينيه، الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للشغل، أن المطالب التي يرفعها المزارعون وسائقو النقل ومحتجو «السترات الصفراء» تتقاطع مع انتظارات الشباب، رافضة التصريحات الحكومية التي تتحدث عن تراجع الحراك الطلابي.

وطالبت بينيه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بإنهاء العمل بمنصة «باركورسوب» المعتمدة في توجيه الطلبة نحو مؤسسات التعليم العالي، إلى جانب مراجعة مشروع الميزانية بما يتيح تخصيص موارد إضافية للتعليم والتكوين الجامعي.

وفي المقابل، تستعد السلطات الفرنسية لمواجهة احتمال وقوع اضطرابات خلال المظاهرات المرتقبة. فقد أعلن وزير الداخلية لوران نونيز أن قوات الأمن قد تلجأ إلى استخدام القنابل الصوتية في حالات العنف الحضري الخطير، رغم تعليق استخدامها سابقاً خلال الاحتجاجات التي قادها تلاميذ الثانويات.

كما طلب وزير الداخلية من رئيس الوزراء عقد خلية أزمة مشتركة بين الوزارات لتنسيق الاستعدادات الأمنية والتنظيمية، في وقت أعلنت فيه حركة «السترات الصفراء» عزمها تنظيم نحو ألف تحرك احتجاجي في مختلف أنحاء البلاد، دفاعاً عن القدرة الشرائية وسعياً إلى التأثير في النقاشات الجارية بشأن الميزانية.

وعلى مستوى المؤسسات التعليمية، سجلت عدة مناطق فرنسية، صباح الجمعة، تراجعاً نسبياً في حدة الاحتجاجات المدرسية. ففي إقليم الرون، أحصت السلطات تسع مؤسسات شهدت إقامة حواجز أو تجمعات محدودة، من بينها خمس ثانويات وأربع مؤسسات جامعية.

وفي مدينة ليون، ساد الهدوء أمام ثانوية «أمبير»، التي تشهد احتجاجات منذ فاتح أكتوبر الجاري، بعدما انتقلت الدراسة بها إلى نظام التعليم عن بُعد، بينما عادت الأوضاع إلى طبيعتها أمام ثانوية «هيلين بوشيه» في باريس.

أما في سان دوني، فظلت ثانوية «بول إيلوار» مغلقة عقب الاحتجاجات المتوترة التي شهدتها، في حين أغلقت مؤسسات تعليمية بمدينة تولوز أبوابها بعد اضطرابات سجلت خلال اليوم السابق.

وفي مدينة ليل، استمر نحو 30 طالباً في إغلاق مدخل معهد العلوم السياسية باستخدام حاويات النفايات، ضمن تحرك احتجاجي متواصل منذ أسبوعين.

وتأمل قطاعات من الحركة الطلابية أن تشكل مظاهرات السبت محطة لتوسيع دائرة المشاركة، إذ اعتبرت الطالبة ماري لو، البالغة 18 عاماً، أن هذا الموعد قد يمثل تتويجاً للتحركات السابقة، معربة عن أملها في انضمام العمال ومحتجي «السترات الصفراء» إلى صفوف الطلبة.

وفي محاولة لاحتواء الاحتقان، عقد وزير التربية الوطنية إدوار جيفري، الخميس، اجتماعاً ثالثاً مع ممثلي التنظيمات الطلابية منذ بداية الاحتجاجات، معلناً إحراز تقدم في مناقشة المطالب. غير أن منظمات تلاميذ الثانويات ترى أن التدابير الحكومية لم تعالج الإشكالات الأساسية، خصوصاً وضعية البنايات المدرسية، ونظام التوجيه الجامعي، والجداول الزمنية للدراسة، مؤكدة استمرار التعبئة والمشاركة في احتجاجات 17 أكتوبر.

وكانت الحركة قد انطلقت في 17 شتنبر الماضي من مؤسسة تعليمية بضواحي باريس، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى وتحظى بدعم تنظيمات طلابية ونقابية.

وفي سياق الاستجابة لمطالب قطاع التعليم، أعلنت وزارة التربية الوطنية الفرنسية تعيين ألفي أستاذ بديل من أصل ثلاثة آلاف كانت قد وعدت بتوفيرهم لتعويض المدرسين المتغيبين. كما أفادت بإصابة 165 من العاملين في قطاع التعليم منذ بداية الاحتجاجات.

من جهته، وصف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بعض التطورات التي رافقت الحراك بأنها انزلقت نحو أعمال عنف حضري، معتبراً أن هذه الممارسات تضر بصورة تلاميذ الثانويات وتؤثر على مسار الاحتجاجات ومطالبها.

وتضع التعبئة المرتقبة الحكومة الفرنسية أمام اختبار جديد في تدبير الاحتجاجات الاجتماعية، في ظل اتساع دائرة المطالب وتداخل أبعادها الاقتصادية والتعليمية. وبين تشديد الإجراءات الأمنية والدعوات إلى الحوار، يبقى حجم المشاركة وطبيعة التحركات الميدانية عاملين أساسيين في تحديد مسار الأزمة خلال الأيام المقبلة.