جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

71 عاماً على الرصاصات الأولى.. كيف مهّد جيش التحرير طريق الاستقلال في شمال المغرب

في خريف سنة 1955، لم تكن جبال شمال المغرب مجرد تضاريس وعرة ومسالك صعبة، بل تحولت إلى معاقل احتضنت الاستعداد لإحدى أبرز مراحل الكفاح المسلح في تاريخ البلاد، بعدما تكثفت جهود المقاومين في التنظيم والتسليح والتدريب، وصولاً إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع سلطات الحماية.

ويستحضر المغاربة، ومعهم أسرة المقاومة وجيش التحرير، الذكرى الـ71 لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير في أقاليم بولمان وتازة والحسيمة والناظور، باعتبارها محطة بارزة في مسار مقاومة الوجود الأجنبي والمطالبة بإنهاء الاستعمار.

ولم تكن تلك العمليات معزولة عن السياق العام الذي عاشه المغرب آنذاك، بل جاءت امتداداً لحالة الغضب التي اجتاحت مختلف المناطق بعد إقدام السلطات الفرنسية على نفي الملك الراحل محمد الخامس والأسرة الملكية إلى كورسيكا ثم مدغشقر، الأمر الذي زاد من حدة التوتر ودفع المقاومة نحو الانتقال من تحركات متفرقة إلى تنظيم مسلح أكثر اتساعاً.

السلاح في الظل

منذ أواخر سنة 1954، شرع المقاومون في تكثيف استعداداتهم للمواجهة، من خلال استقطاب المتطوعين وجمع الأسلحة وتشكيل خلايا وفرق تابعة لجيش التحرير، بالتوازي مع إقامة مراكز للتدريب وتأهيل المقاتلين على أساليب حرب العصابات وتنفيذ الهجمات ضد الثكنات والمراكز العسكرية الفرنسية.

وفي هذه المرحلة، أدت الجغرافيا السياسية دوراً مهماً، إذ تحولت المنطقة الخليفية شمال البلاد، الخاضعة آنذاك للإدارة الإسبانية، إلى فضاء خلفي للتدريب وإعداد الخطط بعيداً عن أعين الإدارة الفرنسية. كما انتقلت إليها قيادات من حركة المقاومة للإشراف على تأطير العناصر المسلحة وربط مختلف الخلايا ببعضها.

غير أن الإعداد التنظيمي والبشري لم يكن كافياً من دون توفير الأسلحة والذخائر، وهو ما جعل عمليات الإمداد عاملاً حاسماً في الانتقال إلى مرحلة العمل المسلح واسع النطاق.

وفي مارس 1955، شهد شاطئ رأس الماء شرق مدينة الناظور واحدة من أبرز عمليات الإمداد السرية، عندما اقتربت الباخرة «دينا» القادمة من المشرق العربي، محملة بالأسلحة والذخائر الموجهة إلى جيش التحرير.

ومع حلول الليل، بدأ المقاومون تفريغ الحمولة قبل طلوع الفجر، مع اتخاذ احتياطات لتفادي اكتشاف العملية، من بينها تمرير قطيع من الأغنام فوق آثار أقدام المشاركين في عملية الإنزال، بهدف إخفاء آثار التحركات على الشاطئ عن الدوريات الاستعمارية.

كما مدت الحبال بين السفينة واليابسة، وجرى نقل العتاد تباعاً، قبل أن تسلك الأسلحة طريقها عبر ملوية نحو مراكز جيش التحرير في إيموزار مرموشة وتازة ومواقع أخرى، حيث كانت الخلايا تستعد لمرحلة جديدة من المواجهة.

ومع اكتمال عناصر التدريب والتسليح والتنسيق، بات الانتقال إلى العمل المسلح الواسع مسألة وقت.

أكتوبر يقلب المعادلة

في ليلة فاتح أكتوبر 1955، انطلقت عمليات هجومية منسقة استهدفت ثكنات الجيش الفرنسي في إيموزار مرموشة، قبل أن تتوسع رقعة العمليات في اليوم التالي، 2 أكتوبر، لتشمل مراكز بورد وأكنول وتيزي وسلي بإقليم تازة، ثم مركز سيدي بوزينب بإقليم الحسيمة.

ومع استمرار المواجهات، امتدت العمليات إلى مناطق أخرى، من بينها جبل القرع وبوسكور وتيزي ودارن، في وقت تكبدت فيه القوات الفرنسية خسائر في الأرواح والعتاد، بينما أخذ نطاق التحرك المسلح يتسع تدريجياً.

ولم يقتصر الضغط على الهجمات المباشرة، إذ بدأت أيضاً حالات انشقاق في صفوف الجنود المغاربة المجندين في الجيش الفرنسي، بعدما فر عدد منهم بأسلحتهم والتحقوا بصفوف جيش التحرير، ما عزز القوة الميدانية للمقاومين ورفع مستوى الضغط على سلطات الحماية.

وهكذا تزامن الضغط العسكري مع التحرك السياسي، لتجد باريس نفسها أمام وضع أكثر تعقيداً، بعدما أصبحت كلفة استمرار المواجهة تتزايد ميدانياً وسياسياً، وهو ما ساهم في الدفع نحو تسريع الحوار والمفاوضات بشأن مستقبل المغرب.

وبعد نحو 45 يوماً من انطلاق عمليات أكتوبر، عاد الملك محمد الخامس، رفقة ولي العهد آنذاك الملك الراحل الحسن الثاني والأسرة الملكية، إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، في حدث دشّن مرحلة جديدة من تاريخ المغرب ومهّد لإنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

وفي خطابه التاريخي، أعلن الملك محمد الخامس للمغاربة بداية مرحلة جديدة، مردداً عبارته الشهيرة: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، قبل أن يقوم لاحقاً بزيارات إلى عدد من مراكز جيش التحرير، حملت دلالات رمزية وسياسية.

وفي هذا السياق، زار الملك الراحل مدينة تازة يوم 14 يوليوز 1956، وانتقل في اليوم الموالي إلى الناظور، حيث تفقد مراكز جيش التحرير والتقى عدداً من المقاومين، في تعبير عن الاعتراف بالدور الذي أدوه خلال مرحلة الكفاح المسلح.

من التحرير إلى السيادة

لا يقتصر تخليد هذه الذكرى اليوم على استعادة وقائع الماضي أو استحضار أسماء المعارك والمواقع التي شهدت المواجهات، بل يمتد أيضاً إلى ربط ذاكرة المقاومة بالتحولات التي تعرفها البلاد في الوقت الراهن.

وفي هذا السياق، تستحضر أسرة المقاومة وجيش التحرير هذه المحطة ضمن سياق سياسي ودبلوماسي مختلف، تضع فيه قضية الوحدة الترابية في صلب ما تعتبره امتداداً لفكرة الدفاع عن السيادة الوطنية.

وتتزامن احتفالات هذه السنة مع ما تعتبره الرباط مكاسب دبلوماسية في ملف الصحراء، خصوصاً عقب الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، الذي جاء بعد صدور القرار الأممي رقم 2797 المتعلق بمبادرة الحكم الذاتي.

وفي ذلك الخطاب، وصف الملك محمد السادس المرحلة بأنها «مرحلة فاصلة ومنعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث»، مضيفاً أن «هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده»، قبل أن يؤكد أن وقت «المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة» قد حان.

وانطلاقاً من هذا الربط بين ذاكرة الكفاح المسلح وقضايا السيادة في المرحلة الراهنة، أعدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجاً للأنشطة يمتد من 1 إلى 4 أكتوبر 2026، في أقاليم بولمان وتازة والحسيمة والناظور.

ويتضمن البرنامج مهرجانات خطابية ولقاءات فكرية وتواصلية، إلى جانب تقديم شهادات تستعيد ظروف انطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير، فضلاً عن تكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وتوزيع إعانات اجتماعية لفائدة بعض المنتسبين إلى هذه الفئة.

وبين رصاصات أكتوبر 1955 وفعاليات أكتوبر 2026، تواصل الذاكرة الوطنية استحضار مرحلة دخل فيها العمل المسلح على خط المواجهة مع الاستعمار، وأسهم، إلى جانب التحرك السياسي، في تسريع المسار الذي قاد إلى عودة الملك محمد الخامس وإنهاء نظام الحماية وتحقيق استقلال المغرب.