جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

ألمانيا والشرق الأوسط.. مصالح كبيرة ونفوذ يتراجع

تدرك ألمانيا أن الشرق الأوسط يمثل منطقة حيوية لمصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية، غير أن قدرتها على التأثير في أزمات المنطقة ومساراتها تبدو محدودة مقارنة بحجم تلك المصالح، وفق ورقة بحثية ألمانية ترصد تراجع النفوذ الأوروبي لصالح قوى إقليمية ودولية أكثر حضورا.

وتشير الورقة، التي أعدها المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط شتيفان لوكاس، إلى وجود فجوة متزايدة بين أهمية المنطقة بالنسبة إلى ألمانيا وأوروبا وبين الأدوات المتاحة لبرلين للتأثير في ملفاتها الكبرى، خصوصا الطاقة والتجارة والأمن.

نفوذ دبلوماسي يتراجع

ويربط الباحث تراجع النفوذ الألماني بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها انحسار الدور الدبلوماسي لبرلين، وتراجع قدرة أوروبا على التأثير في القرارات الدولية المتعلقة بالشرق الأوسط، إضافة إلى صعود العمل العسكري على حساب الوساطة السياسية.

وتبرز إيران بوصفها أحد الأمثلة على هذا التحول. فالدور الذي لعبته ألمانيا إلى جانب القوى الأوروبية في الملف النووي الإيراني لم يعد يوفر لبرلين النفوذ نفسه، في ظل تغير موازين القوى وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وتصاعد الاعتماد على أدوات الضغط والعقوبات والعمل العسكري.

وبحسب الورقة، لم تتمكن ألمانيا من بناء بدائل دبلوماسية قادرة على تعويض هذا التراجع، ما أدى إلى تقلص هامش المناورة أمامها في ملفات المنطقة.

الولايات المتحدة.. مظلة تحد من الاستقلال الأوروبي

وتواجه ألمانيا وأوروبا معضلة أخرى تتمثل في استمرار الاعتماد الأمني والسياسي على الولايات المتحدة. فعلى الرغم من رغبة بعض الدول الأوروبية في تبني سياسة أكثر استقلالا، فإن ارتباطها بواشنطن يحد من قدرتها على اتخاذ مواقف منفصلة في قضايا إيران وإسرائيل وأمن الخليج.

ويرى الباحث أن هذا الاعتماد يضع أوروبا في موقع المتلقي لتداعيات القرارات الأميركية، خصوصا عندما تستخدم واشنطن القوة أو العقوبات في الشرق الأوسط، في حين تظل قدرة العواصم الأوروبية على التأثير في مسار تلك القرارات محدودة.

وتتضح هذه المفارقة في أزمات الملاحة والطاقة، حيث تتأثر المصالح الأوروبية مباشرة بأي اضطراب في المنطقة، بينما تفتقر الدول الأوروبية إلى الأدوات الكافية لحماية مصالحها أو فرض خياراتها السياسية.

صعود قوى جديدة

في المقابل، لم يعد الحضور في الشرق الأوسط حكرا على الولايات المتحدة والدول الأوروبية. فقد عززت دول الخليج والصين والهند وتركيا حضورها الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات والمصالح.

وتشير الورقة إلى أن هذه الدول باتت أكثر قدرة على التحرك وفق حساباتها الخاصة، في وقت تواجه فيه أوروبا صعوبة في بلورة سياسة موحدة تجاه الشرق الأوسط.

ويعد غياب التنسيق بين الدول الأوروبية أحد أبرز أسباب ضعف نفوذها، إذ غالبا ما تتحرك ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفق أولويات وحسابات داخلية مختلفة، ما يحد من قدرتها على تقديم موقف أوروبي موحد في مواجهة القوى الإقليمية والدولية.

مصالح كبيرة وأدوات محدودة

وتتمثل المفارقة الأساسية بالنسبة إلى ألمانيا في حاجتها الكبيرة إلى استقرار الشرق الأوسط مقابل محدودية أدواتها للتأثير فيه.

فالمنطقة مهمة لألمانيا في مجال الطاقة والتجارة وأمن طرق الملاحة، لكن برلين لا تمتلك، وفق الورقة، القدرات العسكرية والسياسية التي تمكنها من حماية هذه المصالح أو التأثير بصورة مباشرة في مسار الصراعات.

وتضع هذه المعادلة ألمانيا أمام تحد متزايد، خصوصا مع أي اضطراب في خطوط إمدادات الطاقة أو حركة التجارة عبر الممرات البحرية الرئيسية، ومنها مضيق هرمز.

تجارب آسيوية تحمل دروسا لألمانيا

وتقارن الورقة الوضع الألماني بتجارب دول آسيوية مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، التي تعتمد هي الأخرى على استقرار الشرق الأوسط، لكنها تحاول تطوير أدوات مختلفة لحماية مصالحها.

فاليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، عززت اهتمامها بالأمن البحري، بالتوازي مع محاولات الحفاظ على قنوات دبلوماسية مع إيران ودول الخليج، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

أما الهند، فتتبع سياسة أكثر مرونة، إذ تحافظ على علاقات مع دول الخليج وإيران في الوقت نفسه، وتسعى إلى حماية مصالحها التجارية ومشروعات الربط الاقتصادي، من دون الانحياز بشكل كامل إلى أي طرف في الصراع الإقليمي.

وتتبنى كوريا الجنوبية وإندونيسيا بدورهما سياسات تركز على حماية إمدادات الطاقة والأمن البحري، والاستفادة من الأطر الدبلوماسية متعددة الأطراف.

نحو شراكات جديدة

وتخلص الورقة إلى أن التحدي لا يتمثل في غياب المصالح أو العلاقات مع دول الشرق الأوسط، وإنما في عدم تحويل هذه المصالح إلى استراتيجية متكاملة تنتج نفوذا سياسيا طويل الأمد.

ويقترح الباحث أن تتجه ألمانيا إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات مع قوى متوسطة مثل فرنسا والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب تعزيز التنسيق الأوروبي بشأن قضايا المنطقة وأمن الملاحة.

كما يدعو إلى توسيع التعاون مع دول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات وقطر وعُمان، في مجالات الطاقة والأمن والتنمية، والاستفادة من نقاط القوة الألمانية في الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي والطاقة المتجددة.

وفي المحصلة، تبدو ألمانيا أمام معادلة واضحة: الشرق الأوسط يزداد أهمية بالنسبة إلى مصالحها، بينما تتراجع قدرتها على التأثير في مساراته. وسد هذه الفجوة يتطلب، وفق الورقة، انتقال برلين من إدارة مصالحها من موقع المتأثر بالأزمات إلى بناء أدوات وشراكات تمنحها قدرة أكبر على صياغة الأحداث، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.