الانفصال يعود إلى واجهة المشهد السياسي في كندا بين كيبيك وألبرتا
عاد ملف الانفصال إلى صدارة النقاش السياسي في كندا، بعد عودة الحزب الكيبيكي إلى السلطة في مقاطعة كيبيك، في وقت تستعد فيه ألبرتا، الغنية بالنفط، لتصويت قد يمهد بدوره لتنظيم استفتاء حول مستقبلها داخل الاتحاد الكندي.
ويضع هذا التطور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام تحديين سياسيين مختلفين في خلفياتهما، لكنهما يلتقيان عند مسألة أساسية تتمثل في مستقبل النظام الفدرالي ووحدة البلاد.
وأعلن زعيم الحزب الكيبيكي، بول سان-بيار بلاموندون، عقب فوز حزبه في الانتخابات الإقليمية، أن كيبيك تستحق أن تصبح دولة، معتبرا أن استقلال المقاطعة يمثل امتدادا لنضال الفرنكوفونيين في أمريكا الشمالية من أجل الحفاظ على هويتهم الثقافية والسياسية.
ويرتبط مشروع الحزب بإجراء استفتاء جديد حول استقلال كيبيك، سيكون الثالث بعد استفتاءي 1980 و1995. غير أن بلاموندون لم يحدد موعدا قريبا للاستفتاء، إذ ربطه بالتطورات السياسية والاقتصادية في أمريكا الشمالية، مشيرا إلى أن حزبه يفضل الانتظار إلى ما بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2029.
ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار التوتر التجاري بين كندا والولايات المتحدة، وهو ما يرى الحزب أنه لا يوفر الظروف المناسبة لإجراء نقاش هادئ حول مستقبل كيبيك.
ورغم الفوز الانتخابي، لا يمتلك الحزب الكيبيكي أغلبية مطلقة، بعدما حصل على نحو 28 في المائة من الأصوات وفقا للنتائج شبه النهائية، الأمر الذي يفرض عليه إدارة حكومة أقلية والتوصل إلى تفاهمات مع أحزاب أخرى لضمان استمرارها.
كيبيك تستعيد ملف استقلالها
تعود جذور النزعة الاستقلالية في كيبيك إلى عقود من التوتر المرتبط بالهوية الفرنكوفونية وعلاقة المقاطعة بالدولة الكندية ذات الغالبية الناطقة بالإنجليزية.
وكان سكان كيبيك قد رفضوا الاستقلال في استفتاء عام 1980، قبل أن تعود القضية بقوة عام 1995، حين فاز معسكر البقاء ضمن كندا بفارق ضئيل.
ومنذ ذلك الحين، تراجعت أولوية الاستقلال في النقاش السياسي، لصالح ملفات الاقتصاد والهجرة والخدمات الاجتماعية وحماية اللغة الفرنسية. إلا أن عودة الحزب الكيبيكي إلى الحكم أعادت الاستفتاء إلى جدول الأعمال السياسي.
ولا يعني هذا التطور أن أغلبية سكان كيبيك تؤيد الانفصال، إذ تشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة المؤيدين للاستقلال تتراوح حول 30 إلى 31 في المائة. وهو ما يشير إلى أن جزءا من الناخبين الذين دعموا الحزب قد يكون فعل ذلك لأسباب مرتبطة بإدارة المقاطعة أو الاقتصاد أو اللغة، دون تبني خيار الاستقلال بالضرورة.
ويواجه بلاموندون كذلك تحدي الحفاظ على حكومته الأقلية، إذ يمكن أن تؤدي الخلافات مع الأحزاب الأخرى إلى انتخابات مبكرة قبل الموعد الذي حدده للاستفتاء.
كارني أمام ضغوط داخلية وخارجية
تأتي عودة القضية الانفصالية في كيبيك في مرحلة دقيقة بالنسبة إلى الحكومة الفدرالية، التي تواجه في الوقت نفسه توترا تجاريا مع الولايات المتحدة وتسعى إلى تعزيز الاقتصاد المحلي وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
وتتمتع المقاطعات الكندية بصلاحيات واسعة في عدد من المجالات، ما يجعل التعاون بينها وبين الحكومة الفدرالية ضروريا لتنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية.
ويفرض وصول حزب انفصالي إلى الحكم في كيبيك على حكومة كارني التعامل مع سلطة إقليمية تشاركها إدارة الملفات اليومية، بينما تحمل في الوقت نفسه مشروعا سياسيا يمكن أن ينتهي بالمطالبة باستقلال المقاطعة.
وحاول كارني تجنب التصعيد في رده الأول، مؤكدا أهمية بناء كيبيك أقوى ضمن مشروع بناء كندا أقوى، مع إبداء استعداده للتعاون مع حكومة بلاموندون، خصوصا في مواجهة تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية على العمال والشركات.
غير أن الخلافات لا تقتصر على قضية الاستفتاء، إذ يعتزم الحزب الكيبيكي أيضا إعادة النظر في تمويل ممثلة التاج البريطاني في المقاطعة، في خطوة تحمل دلالات رمزية مرتبطة بمشروعه السياسي.
ألبرتا تفتح مسارا مختلفا
في غرب البلاد، تتحرك النزعة الانفصالية في ألبرتا من خلفية مختلفة عن كيبيك. فبينما يرتبط المشروع الكيبيكي أساسا بالهوية واللغة والتاريخ القومي، تتمحور المطالب في ألبرتا بدرجة أكبر حول الاقتصاد والطاقة والضرائب والعلاقة المالية مع الحكومة الفدرالية.
وتستعد المقاطعة للتصويت في 19 أكتوبر على مسار يمكن أن يقود إلى تنظيم استفتاء بشأن الاستقلال.
ولا يحظى خيار الانفصال في ألبرتا بالمستوى نفسه من الدعم التاريخي الذي عرفته كيبيك، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن المؤيدين له يمثلون نحو ربع الناخبين. ومع ذلك، فإن طرح القضية للتصويت يمنحها حضورا أكبر في النقاش السياسي الوطني.
وتعد ألبرتا من أغنى المقاطعات الكندية بفضل مواردها النفطية، وقد تصاعدت خلال السنوات الماضية خلافاتها مع الحكومة المركزية بشأن سياسات الطاقة والبيئة وتوزيع عائدات الموارد الطبيعية.
كندا أمام نقاش جديد حول مستقبل الاتحاد
يضع تطور الأحداث حكومة كارني أمام واقع سياسي جديد، يتمثل في وجود مشروعين انفصاليين داخل مقاطعتين تختلف دوافعهما وسياقاتهما التاريخية.
ففي كيبيك، يستند المشروع إلى الهوية الفرنكوفونية والنزعة القومية، بينما يرتكز الخطاب الانفصالي في ألبرتا بصورة أكبر على قضايا الطاقة والموارد والعلاقة المالية مع أوتاوا.
ورغم أن الوصول إلى انفصال فعلي لا يزال يتطلب مراحل سياسية ودستورية معقدة، فإن عودة القضية إلى المؤسسات المنتخبة تعيد فتح نقاش ظل لسنوات بعيدا عن مركز المشهد السياسي.
ويجد كارني نفسه بالتالي أمام معادلة متعددة الأبعاد: إدارة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة، وتعزيز المشاريع الوطنية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التعاون بين المقاطعات داخل اتحاد فدرالي بدأت داخله أسئلة الهوية والسلطة والثروة تعود بقوة إلى الواجهة.