جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

سبتة قبيل الزيارة الملكية الإسبانية.. تداعيات أزمة الهجرة وتصاعد التوترات الاجتماعية يعيدان ملف التعايش إلى الواجهة

تستعد مدينة سبتة لاستقبال الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيسيا، في زيارة تأتي وسط نقاش سياسي واجتماعي متواصل بشأن تداعيات أزمة الهجرة، وتصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين، وتزايد المخاوف من مظاهر التمييز والعداء تجاه المغاربة والأشخاص الذين يُنظر إليهم باعتبارهم من أصول شمال إفريقية.

وبينما تتواصل الاستعدادات الرسمية للزيارة، من خلال تزيين الشوارع بالأعلام الإسبانية وتعزيز التدابير الأمنية، تكشف بعض الوقائع المتداولة عن استمرار حالة من التوتر داخل المدينة، رغم المساعي الرسمية لإبراز عودة الأوضاع إلى طبيعتها بعد موجات وصول المهاجرين خلال شهري يوليوز وغشت الماضيين.

حادثة تستحضر التوترات المرتبطة بالهوية

شهد وسط سبتة، مساء الاثنين 12 أكتوبر، واقعة أثارت الانتباه إلى أجواء الاحتقان الاجتماعي، بعدما أفاد صحفيان مغربيان بتعرضهما لعبارات عدائية من طرف بعض زبائن أحد المقاهي، عقب تحدثهما باللهجة المغربية، وفق روايتهما.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، طالب بعض الحاضرين الصحفيين بمغادرة المكان، قبل أن ينضم إليهم أشخاص آخرون. وتعيد هذه الواقعة طرح تساؤلات بشأن تأثير أزمة الهجرة والخطاب السياسي المرتبط بها على العلاقات اليومية بين مختلف مكونات المجتمع المحلي.

وتتجاوز دلالات هذه الحوادث الجانب المرتبط بتدبير الهجرة، لتشمل مسألة التعايش واحترام الاختلاف، خصوصاً في مدينة تتعدد فيها الخلفيات الثقافية والاجتماعية، ويشكل السكان من أصول مغربية جزءاً مهماً من نسيجها الديمغرافي.

استعدادات ملكية وسط إجراءات أمنية مشددة

تواصل السلطات الإسبانية استعداداتها لاستقبال الملك فيليبي السادس والملكة ليتيسيا، من خلال تزيين واجهات المباني والشرفات بالأعلام الوطنية، وتنظيم الفضاءات التي سيمر منها الموكب الملكي، إلى جانب تعزيز التدابير الأمنية.

كما شهدت المدينة تجمع عدد من السكان للحصول على أعلام صغيرة استعداداً للترحيب بالعاهلين الإسبانيين، في أجواء احتفالية تتزامن مع استمرار النقاش بشأن تداعيات أزمة الهجرة والتوترات التي رافقتها.

وتحاول السلطات، من خلال هذه الاستعدادات، إبراز الطابع الرسمي للزيارة، غير أن المشهد الاجتماعي في المدينة يظل متأثراً بالجدل الدائر حول الهجرة والهوية الوطنية والعلاقات مع المغرب.

تدبير أزمة الهجرة بين الإجراءات الأمنية والانتظارات الاجتماعية

لا تزال سبتة تواجه آثار موجات وصول المهاجرين التي شهدتها خلال الفترة الماضية، ومن بينهم عدد من القاصرين. ورغم تراجع أعداد الموجودين في الشواطئ والأماكن العامة، ما زال بعض المهاجرين يتجولون في الشوارع أو يطلبون المساعدة من المارة، في انتظار تسوية أوضاعهم أو العودة إلى المغرب.

وفي المقابل، تتحدث الحكومة الإسبانية عن إحراز تقدم في تدبير الوضع. ووفق المعطيات الواردة في التقرير، أعلنت الشرطة تفكيك آخر مخيم عشوائي كبير على الساحل بمنطقة «إل غوانو»، يوم الأحد 11 أكتوبر، بعدما كان يؤوي نحو 500 مهاجر.

كما أكد وزير السياسة الترابية الإسباني، أنخيل فيكتور توريس، أن السلطات تمكنت من استعادة قدر من الاستقرار قبل الموعد المحدد في 15 أكتوبر.

وأشار الوزير، بحسب التقرير، إلى عودة نحو 12 ألف شخص إلى المغرب منذ 10 غشت، سواء بصورة طوعية أو في إطار إجراءات الترحيل، مع الإقرار باستمرار بعض الصعوبات الأمنية والاجتماعية في الأحياء والشوارع التي لا يزال مهاجرون يبيتون فيها في العراء.

ومع ذلك، فإن تراجع أعداد الوافدين لا يعني بالضرورة انتهاء التوترات، إذ تظل معالجة تداعيات الأزمة مرتبطة أيضاً بضمان احترام الحقوق الأساسية، والحد من مظاهر التمييز، وتوفير حلول إنسانية وقانونية للأشخاص الموجودين في أوضاع هشة.

مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف بسبب الأصول

تثير بعض الوقائع التي شهدتها المدينة خلال الأسابيع الماضية مخاوف بشأن احتمال اتساع دائرة الاستهداف لتشمل أشخاصاً بسبب أصولهم المفترضة أو ملامحهم، وليس فقط بسبب وضعهم القانوني المرتبط بالهجرة.

ووفق التقرير، تعرضت فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً للاستهداف خلال مظاهرة مطلع شتنبر بعدما اعتُبرت مهاجرة، كما تعرضت صحفية من موقع «إلدياريو.إس» لعبارة مهينة ذات طابع عنصري.

وتعيد هذه الوقائع النقاش حول مسؤولية الفاعلين السياسيين والمؤسسات في منع التحريض، والتصدي للخطابات التي قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع.

وتضم سبتة نحو 84 ألف نسمة، ويشكل المسلمون، ومعظمهم من أصول مغربية، نسبة مهمة من سكانها، تقدر بنحو 43 في المائة وفق تقديرات اتحاد الجماعات الإسلامية في إسبانيا. ويجعل هذا التنوع الاجتماعي مسألة التعايش بين مختلف مكونات المدينة عاملاً محورياً في احتواء التوترات وضمان الاستقرار.

شهادات من الحياة اليومية تعكس تداعيات الأزمة

ومن بين الشهادات التي أوردها التقرير، قصة فوزية، وهي مغربية تقيم في سبتة منذ سنوات، قالت إن المقهى الذي تديره أُغلق منذ نحو شهر بسبب تقديم خدمات لمهاجرين غير نظاميين وصلوا خلال موجة الهجرة الأخيرة.

ورغم الإشارة إلى إغلاق المحل، لم يتسن التحقق بشكل مستقل من الأسباب الرسمية وراء هذا القرار.

وكانت فوزية قد تحدثت سابقاً عن تقديم الطعام والمساعدة لمهاجرين لم يكن بعضهم يتوفر على المال الكافي، مؤكدة أنها لم تستطع تركهم من دون مساعدة.

وأضافت أن تجربتها دفعتها إلى التفكير في مغادرة سبتة والالتحاق بأفراد من عائلتها يقيمون في شبه الجزيرة الإسبانية، معتبرة أن الأوضاع في المدينة تغيرت كثيراً منذ نهاية يوليوز.

وتسلط هذه الشهادة الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأزمة، وعلى الصعوبات التي قد تواجه الأفراد والأنشطة التجارية في ظل التوترات المرتبطة بالهجرة.

الهجرة تتحول إلى محور للتجاذب السياسي

على المستوى السياسي، زادت زيارة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» الإسباني اليميني المتطرف، وجوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، إلى سبتة يوم 12 أكتوبر، من حدة النقاش بشأن الهجرة ومستقبل تدبير الحدود.

وخلال مؤتمر صحفي قرب الحدود، جدد أباسكال اتهاماته للمغرب بتسهيل تدفق المهاجرين، وانتقد حكومة بيدرو سانشيز، داعياً إلى تشديد مراقبة الحدود وإعادة الأشخاص الذين دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية.

من جانبه، اعتبر بارديلا أن الوضع في سبتة يحمل دلالات بالنسبة إلى النقاش الأوروبي حول الهجرة، مطالباً بتشديد السياسات المعتمدة وتعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إعادة النظر في دور الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس».

وتعكس هذه التصريحات توجهاً سياسياً يسعى إلى جعل ملف الهجرة محوراً أساسياً في النقاش العام، في سياق تتزايد فيه أهمية قضايا الحدود والأمن والهوية الوطنية داخل عدد من الدول الأوروبية.

في المقابل، اتهم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني في سبتة حزبي «فوكس» و«الشعب» باستغلال الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية، محذراً من أن استخدام توصيفات مثل «الغزو» عند الحديث عن الهجرة قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وإضعاف فرص التعايش.

زيارة تحمل أبعاداً تاريخية ودبلوماسية

تكتسي الزيارة الملكية أهمية خاصة بالنظر إلى خلفيتها التاريخية والسياسية. ووفق المعطيات الواردة في التقرير، تمثل الزيارة المرتقبة أول زيارة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة ومليلية، وأول زيارة لزوجين ملكيين إسبانيين إلى المدينتين منذ نونبر 2007، عندما زارهما الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا.

وكانت الزيارة السابقة قد أثارت احتجاجاً مغربياً، إذ اعتبر بلاغ ملكي آنذاك أنها تمس المشاعر الوطنية للمغاربة، ووصفها بأنها خطوة غير مجدية ومرتبطة بمرحلة تاريخية تجاوزها الزمن.

كما استدعت الرباط سفيرها في مدريد، قبل أن يستأنف مهامه في يناير 2008.

ومنذ أبريل 2022، شهدت العلاقات المغربية الإسبانية تحولاً ملحوظاً انعكس في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني وتدبير الهجرة. غير أن الخلاف بشأن السيادة على سبتة ومليلية ما يزال قائماً، وهو ما يمنح أي تحرك رسمي إسباني في المدينتين حساسية سياسية ودبلوماسية خاصة.

التعاون المغربي الإسباني أمام تحديات جديدة

تأتي الزيارة في وقت يتواصل فيه النقاش بشأن حدود التعاون بين الرباط ومدريد في مجال الهجرة، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة القاصرين والأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية.

ووفق التقرير، شدد الملك محمد السادس، في خطاب أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر، على أن نموذج التعاون الحالي في مجال الهجرة بلغ حدوده، منتقداً مقتضيات قانونية متجاوزة وقرارات قضائية اعتبر أنها لا تواكب الواقع وتعرقل إعادة بعض القاصرين والأشخاص إلى بلدانهم.

كما أكد أن التعاون المغربي في هذا المجال يستند إلى اختيار سيادي والتزام طوعي، ولا ينبغي أن يكون خاضعاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز.

وكان وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قد حمّل مدريد، في 24 شتنبر، مسؤولية استمرار وجود مهاجرين وقاصرين في سبتة، بينما لم يشر التقرير إلى صدور رد رسمي مغربي بشأن الإعلان عن الزيارة الملكية.

وتبرز هذه المواقف استمرار التحديات التي تواجه التعاون الثنائي، رغم التطور الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.

سبتة أمام اختبار التعايش ومستقبل العلاقات الثنائية

بين الاستعدادات الرسمية للزيارة الملكية واستمرار التوترات الاجتماعية والسياسية، تجد سبتة نفسها أمام اختبار يتجاوز الأبعاد البروتوكولية للحدث. فالتحدي لا يتعلق فقط بتدبير حركة الهجرة وتأمين الحدود، بل يشمل أيضاً حماية التعايش بين السكان، والتصدي للتمييز، وضمان ألا تتحول الخلافات السياسية إلى مبرر لاستهداف الأفراد بسبب أصولهم أو لغتهم.

كما تعيد هذه التطورات طرح أسئلة بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، وحدود التعاون في ملف الهجرة، وإمكانية تدبير الخلافات التاريخية والسياسية حول سبتة ومليلية في إطار يحافظ على قنوات الحوار والتعاون بين البلدين.

وفي نهاية المطاف، ستظل قدرة السلطات والقوى السياسية على احتواء التوترات الاجتماعية عاملاً أساسياً في تحديد انعكاسات الزيارة على المدينة، وعلى أجواء العلاقات بين المغرب وإسبانيا في مرحلة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية والدبلوماسية.