أعراف التحالفات وحسابات الأرقام.. حين يتحول البروتوكول إلى رسالة سياسية مشفرة
بقلم: محمد عيدني
في السياسة، لا تُقاس المشاورات الحكومية فقط بما يُقال حول البرامج أو بما يُطرح من أسماء وحقائب، بل إن ترتيب اللقاءات، وتوقيت الاتصالات، وطبيعة المخاطبة قد تحمل بدورها دلالات سياسية تستحق القراءة. ومن هذه الزاوية، تكتسب المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة أهمية خاصة، خصوصاً في ظل تعدد الأحزاب وتباين أوزانها البرلمانية.
وقد أثار ترتيب لقاءات المشاورات مع الأحزاب السياسية نقاشاً حول موقع كل حزب في الحسابات الأولية للأغلبية. فقد التقت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعيّنة والمكلفة بتشكيلها، في 30 شتنبر 2026، عدداً من الأحزاب، من بينها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
ومن بين التفاصيل التي حظيت باهتمام، توقيت التواصل مع محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وطريقة ترتيب اللقاء. غير أن المعطيات المنشورة لا تكفي، في حد ذاتها، للجزم بأن هذا الترتيب كان يحمل رسالة متعمدة بالتهميش؛ فالتوقيت والترتيب قد يكونان جزءاً من هندسة المشاورات، لكن تفسيرهما السياسي يظل مجالاً للقراءة والتحليل.
الأرقام تفرض نفسها على طاولة المشاورات
بعيداً عن البروتوكول، تبقى الحسابات البرلمانية عنصراً أساسياً في أي نقاش حول تشكيل الأغلبية.
وحصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعداً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وفق المعطيات التي أوردتها القناة الرسمية ، وهو ما يجعله رقماً حاضراً في حسابات الأغلبية والمعارضة.
لكن أهمية الحزب لا تختزل في العدد فقط؛ فالمفاوضات السياسية لا تقوم على المقاعد وحدها، وإنما تشمل أيضاً طبيعة التفاهمات والبرامج وموقع كل حزب من القضايا المطروحة، فضلاً عن القدرة على بناء تحالفات مستقرة وقابلة للاستمرار.
وفي هذا السياق، حمل تصريح محمد أوزين عقب لقائه بالمنصوري في 30 شتنبر رسائل سياسية لافتة، إذ تحدث عن ضرورة إحداث «قطيعة إيجابية» مع المرحلة السابقة، مؤكداً أن أولويات المرحلة تشمل الشباب والتنمية الترابية المندمجة وقضايا استراتيجية أخرى. كما شدد على أن مصلحة الوطن تظل، بالنسبة إلى حزبه، أولوية بصرف النظر عن موقعه في الأغلبية أو المعارضة.
من البروتوكول إلى بناء الثقة
تشكيل التحالفات الحكومية لا يحتاج فقط إلى جمع الأرقام الكافية لضمان الأغلبية، بل يتطلب أيضاً بناء قدر من الثقة السياسية بين مكونات التحالف المحتمل.
فأي إحساس لدى طرف سياسي بأنه لا يحظى بالتقدير الذي يراه متناسباً مع حضوره البرلماني والسياسي يمكن أن يؤثر في أجواء التفاوض، حتى وإن لم يكن ذلك كافياً وحده لتحديد الموقف النهائي.
واللافت أن المشاورات لم تتوقف عند الجولة الأولى، إذ عاد محمد أوزين إلى لقاء فاطمة الزهراء المنصوري في 6 أكتوبر 2026 ضمن الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة، بعد لقاءات مع عدد من الأحزاب الأخرى. وهذا التطور يؤكد أن التواصل مع الحركة الشعبية ظل مفتوحاً، وأن المفاوضات لم تُحسم بمجرد ترتيب اللقاءات الأولى.
السياسة.. أرقام ورسائل وتوازنات
في المحصلة، تكشف مشاورات تشكيل الحكومة أن السياسة لا تُدار بالأرقام وحدها، كما لا يمكن اختزالها في البروتوكول وحده. إنها مزيج من الحسابات البرلمانية، والتوازنات الحزبية، والثقة المتبادلة، والقدرة على التفاوض، وقراءة الرسائل التي تبعثها كل خطوة.
ومن هنا، فإن أي حديث عن مستقبل التحالفات ينبغي أن يميز بين الوقائع المؤكدة وبين التأويلات السياسية. فترتيب اللقاءات استمرار اللقاءات مع قيادة المشاورات، إلى جانب إبقاء أوزين خيار الأغلبية أو المعارضة مفتوحاً، يجعل موقع الحزب جزءاً من الحسابات السياسية التي ستتضح أكثر مع تقدم المفاوضات والإ قد يكون موضع قراءة، لكن المواقف المعلنة والاتفاقات الرسمية تظل وحدها القادرة على تحديد الموقع النهائي لكل حزب.
وبالنسبة إلى الحركة الشعبية، فإن استمرار اللقاءات مع قيادة المشاورات، إلى جانب إبقاء أوزين خيار الأغلبية أو المعارضة مفتوحاً، يجعل موقع الحزب جزءاً من الحسابات السياسية التي ستتضح أكثر مع تقدم المفاوضات والإعلان الرسمي عن تركيبة الأغلبية والحكومة.
ففي نهاية المطاف، قد يبدأ التحالف برقم، لكنه لا يستمر إلا بالثقة والاحترام وحسن إدارة التوازنات.