جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

بريطانيا أمام منعطف دستوري.. هل تقترب المملكة المتحدة من نهاية نموذجها السياسي القديم؟

أنهى حزب العمال البريطاني مؤتمره السنوي هذا الأسبوع بقيادة جديدة يتزعمها رئيس الوزراء آندي بيرنهام، تحت شعار “الأمل مجددًا”، في ظل مشهد سياسي داخلي ودولي حافل بالتحديات. وكان بيرنهام قد تولى رئاسة الوزراء في 20 يوليو/تموز 2026، بعد انتخابه زعيمًا لحزب العمال في يوليو/تموز الماضي.

ورغم تصدر حزب العمال استطلاعات الرأي منذ تولي بيرنهام زعامته، فإن المشهد السياسي البريطاني يشهد منافسة متقاربة وتناميًا للتعددية الحزبية، بما يفتح النقاش حول طبيعة البرلمان المقبل وإمكانية تشكيل حكومات ائتلافية.

وفي خطابه الأول أمام مؤتمري الحزب، تعهد بيرنهام بإعادة بناء بريطانيا على أسس أكثر صلابة وتوحيدًا، مؤكدًا عزمه على معالجة ملفات ظلت موضع تجنب من الطبقة السياسية لعقود، من بينها إعادة تأميم بعض القطاعات الحيوية، وإصلاح منظومة الرعاية الصحية والاجتماعية، وإجراء إصلاحات دستورية وانتخابية، إلى جانب إعادة النظر في علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي وخيارات ما بعد بريكست.

وأعلن بيرنهام التوجه نحو إصلاح النظام الانتخابي، إلى جانب بحث خيارات متعددة للعلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، تشمل الإبقاء على الوضع القائم أو التقارب عبر الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة أو التوصل إلى صيغة خاصة، وصولًا إلى إمكانية إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي وقت أظهرت فيه استطلاعات رأي تأييدًا لإصلاح نظام التقاعد بنسبة 48% مقابل 28%، أظهرت استطلاعات أخرى ارتفاعًا في تأييد العودة إلى الاتحاد الأوروبي، في حين يظل شكل العلاقة المستقبلية مع بروكسل موضع نقاش سياسي واسع.

وفي السياسة الخارجية، حضرت القضية الفلسطينية والتضامن مع غزة بقوة خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال، كما برزت مواقف وزير الخارجية إيد ميليباند بشأن الحرب في غزة والضفة الغربية والاستيطان، وهي مواقف لقيت اهتمامًا لدى أنصار القضية الفلسطينية ومسلمين في بريطانيا.

غير أن الأجواء الإيجابية التي سادت المؤتمر، وما حمله خطاب بيرنهام من وعود بإصلاحات واسعة، ستواجه بواقع اقتصادي وسياسي معقد، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والأسعار، وتزايد الضغوط على المالية العامة، إلى جانب تداعيات الأزمات الدولية على الاقتصاد البريطاني.

وتواجه حكومة العمال ملفات صعبة تتعلق بالميزانية العامة وكيفية تدبير مواردها، في وقت يرتفع فيه الاقتراض العام والتضخم، وسط نقاش حول الضرائب والاستثمار والإنفاق الحكومي.

كما سيكون بيرنهام مطالبًا بتحديد مصادر تمويل خططه، خصوصًا في ظل الضغوط الرامية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات العسكرية البريطانية بما يتماشى مع التزامات المملكة المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي.

وعلى صعيد آخر، تبرز قضية اللامركزية باعتبارها أحد الملفات الحساسة أمام الحكومة، في ظل النقاشات المتعلقة بالصلاحيات التي يمكن أن تنتقل من حكومة “داونينغ ستريت” إلى الجهات والأقاليم.

وتزداد حساسية هذا الملف مع استمرار المطالب المتعلقة بالاستقلال في إسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات على مستقبل المملكة المتحدة ووحدتها. وقد شهدت بريطانيا خلال عام 2026 نقاشات متزايدة حول مستقبل الاتحاد، في ظل مخاوف سياسية من اضطرابات دستورية محتملة.

ويمثل هذا التوجه تحديًا كبيرًا أمام حكومة بيرنهام، التي ستكون مطالبة بتطوير مقاربة للتعامل مع المطالب الإقليمية والحفاظ على تماسك المملكة المتحدة، بالتوازي مع مشروعها لتوسيع اللامركزية.

وفي هذا السياق، يطرح التقارب مجددًا مع الاتحاد الأوروبي باعتباره أحد الخيارات المطروحة في النقاش السياسي البريطاني، خصوصًا أن حكومة بيرنهام أعلنت رغبتها في إعادة تقييم العلاقة مع بروكسل، بينما لا تزال العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي خيارًا سياسيًا قيد البحث وليست سياسة حكومية مقررة.

وعلى الرغم من الزخم الذي رافق وصول بيرنهام إلى قيادة حزب العمال ورئاسة الحكومة، فإن المشهد الحزبي البريطاني أصبح أكثر تفتتًا، مع تنامي حضور أحزاب أصغر، وتراجع احتكار العمال والمحافظين للمشهد الانتخابي الذي ميز عقودًا من السياسة البريطانية.

ويزداد التحدي مع صعود حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، الذي أصبح أحد أبرز أطراف المنافسة السياسية، في ظل استمرار الاستقطاب حول قضايا الهجرة والهوية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

كما ارتبط فاراج سياسيًا بالرئيس الأميركي دونالد ترمب والتيار المحافظ المعروف باسم “ماغا”، في وقت تشير تقارير إلى تنامي شبكات سياسية عابرة للحدود تدعم التيارات اليمينية في عدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، يطرح مشروع بيرنهام لإصلاح النظام الانتخابي والدستوري إمكانية إعادة تشكيل الحياة السياسية البريطانية، بما قد يعزز التمثيل البرلماني للأحزاب المختلفة ويزيد احتمالات تشكيل حكومات ائتلافية، بدل استمرار هيمنة نظام الحزبين التقليديين.

وتشير التطورات الحالية إلى أن بريطانيا تمر بمرحلة إعادة نقاش واسعة بشأن شكل نظامها السياسي، وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي، ومستقبل اتحادها الداخلي. وبين الإصلاحات الدستورية والانتخابية، والضغوط الاقتصادية، ومطالب الاستقلال الإقليمية، وإعادة تقييم إرث بريكست، تواجه حكومة بيرنهام مجموعة من الملفات التي قد تحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المملكة المتحدة.