ساحة باب سيدي عبد الوهاب بوجدة.. فضاء يستحضر التاريخ ويحتضن فنون الفرجة
تحتل ساحة باب سيدي عبد الوهاب، الواقعة في قلب مدينة وجدة، مكانة بارزة ضمن المواقع التاريخية التي تميز حاضرة الشرق، باعتبارها فضاءً يجسد ذاكرة جماعية متجددة، لاسيما بعد إعادة تهيئتها في إطار مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة وترميم معالمها.
وعلى مدى عقود، شكلت هذه المعلمة التاريخية والثقافية والتراثية فضاءً لفن “الحلقة”، الذي يعد أحد أشكال الفرجة الشعبية المغربية، ويستمد عناصره من مكونات فنية متنوعة، تشمل الموسيقى والمسرح والرقص وفن الكلام.
ومع تدشين الملك محمد السادس لمشروع إعادة تهيئة الساحة في يونيو 2013، ثم افتتاحها في ماي 2014، تعززت الرغبة في إعادة إحياء الدور الترفيهي الذي لطالما ميز هذا الفضاء، من خلال استقطاب صناع الفرجة و”الحلقة”، على غرار ما تشهده ساحة جامع الفنا بمراكش وساحة الهديم بمكناس.
وأصبحت ساحة باب سيدي عبد الوهاب اليوم وجهة مفضلة لسكان مدينة الألفية وزوارها، الذين يقصدونها بأعداد كبيرة لقضاء أوقات من الترفيه، والاستمتاع بالاستعراضات الفنية وألعاب الفرجة وحلقات الحكي والفكاهة، إلى جانب عروض الإيقاعات الموسيقية المتجذرة في تاريخ المنطقة، وفي مقدمتها موسيقى وفولكلور “الركادة” و”العلاوي”.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث في التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة، جمال حدادي، أن الحديث عن الساحات يرتبط، تاريخياً، بفضاءات تجمع السكان، سواء باعتبارها متنزهات أو أسواقاً أو أماكن مخصصة لتجمعات تخدم أغراضاً مرتبطة بالقبيلة أو الحي أو المدينة.
وأشار حدادي، في تصريح صحافي، إلى أن تسمية باب سيدي عبد الوهاب، الذي تحمل الساحة اسمه، ترتبط بموقعه في الجهة الشرقية من المدينة، موضحاً أن الباب سمي تيمناً بـ”الولي الصالح” الذي يوجد ضريحه على بعد أمتار منه.
واعتبر الباحث أن ساحة باب سيدي عبد الوهاب تمثل “علامة فارقة” في تاريخ مدينة عريقة يتجاوز عمرها ألف سنة، مبرزاً أن وجود الساحات خارج أسوار بعض المدن العتيقة بالمغرب يحمل دلالات رمزية متجذرة، ترتبط بعوامل نشأة تلك المدن، فضلاً عن وظائفها العملية في تنظيم العلاقة بين السكان الموجودين داخل الأسوار وخارجها.
وأوضح المتحدث ذاته أن الساحات كانت في الماضي فضاءات للترفيه، كما كانت تستخدم لاستعراض الجيوش والعدة والعتاد استعداداً لخوض المعارك، قبل أن تتغير وظائفها تدريجياً مع مرور الزمن، لتتحول إلى فضاءات تحتضن الأسواق والمتاجر وعرض مختلف السلع من طرف الباعة المتجولين، المعروفين بـ”الفراشة”.
وتضطلع الساحة حالياً بأدوار اجتماعية واقتصادية، من خلال احتضان الأنشطة الثقافية والفنية، فضلاً عن الحركة التجارية المرتبطة بها. كما شكلت إعادة تهيئتها تجسيداً لإرادة الحفاظ على الموروث التاريخي لعاصمة جهة الشرق، ولاسيما هذه المعلمة التي تعكس جوانب متعددة من تاريخ المدينة وتراثها المعماري.
وفي إطار الحرص على استدامة الساحة وتعزيز إشعاعها، تتطلع ساكنة وجدة وفعالياتها إلى تخصيص هذا الفضاء لاحتضان الفعاليات الثقافية والعروض الفنية التي تستحضر ذاكرته التاريخية، وفي مقدمتها فن “الحلقة”.
ويرى المهتمون أن إعادة إحياء هذا الفن، بمشاركة شيوخ “الحلقة” وروادها، من شأنه أن يعزز مكانة الساحة كفضاء للفرجة والمتعة والتواصل، ويسهم في تحويلها إلى مركز جذب وقطب حيوي يمكن أن يدعم التنمية الاقتصادية والسياحية والثقافية بالمنطقة.