سبق سياسي.. لماذا أجّل البام إعلان أغلبية حكومة المنصوري؟
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة مرحلة تفاوضية أكثر تعقيداً، بعدما اختار حزب الأصالة والمعاصرة عدم حسم خريطة الأغلبية الحكومية بشكل نهائي، مكتفياً بتفويض فاطمة الزهراء المنصوري واللجنة المكلفة بالملف مواصلة المشاورات مع مختلف الأحزاب.
وجاء قرار المجلس الوطني للحزب، المنعقد اليوم السبت 3 أكتوبر 2026 بالصخيرات، في وقت كانت فيه الأنظار متجهة إلى موقف واضح بشأن مكونات الأغلبية المقبلة، خصوصاً في ظل النقاش الذي رافق علاقة الحزب بالتجمع الوطني للأحرار.
وبحسب المعطيات المنشورة اليوم، فقد فوّض المجلس الوطني للمنصوري مواصلة المشاورات والمفاوضات، إلى جانب لجنة تضم فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي، فيما أكدت المنصوري أن المفاوضات الرسمية ستنطلق خلال الأسبوع المقبل.
لماذا لم يُحسم موقف الأحرار؟
تكمن أهمية ما حدث اليوم في أن النقاش داخل حزب الأصالة والمعاصرة لم يتحول إلى قرار مؤسساتي نهائي بشأن استبعاد أي حزب من الأغلبية.
وقد برز، خلال أشغال المجلس الوطني، نقاش بشأن مستقبل مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، في سياق تساؤلات حول استمرار التحالف الذي جمع الطرفين خلال المرحلة السابقة.
غير أن المعطى الأوضح في نهاية الاجتماع هو أن المجلس اختار تفويض المنصوري مواصلة التفاوض، بدلاً من إقرار خريطة تحالفات مغلقة.
وبذلك، بقي ملف مشاركة الأحرار مفتوحاً على طاولة المفاوضات، من دون أن يعني ذلك أن مشاركته حُسمت أو أنها أصبحت مضمونة.
الاستقلال حسم موقعه.. والأحرار أبقى الباب مفتوحاً
في المقابل، اتخذ حزب الاستقلال موقفاً مؤسساتياً واضحاً، إذ قرر مجلسه الوطني المشاركة في الحكومة المقبلة، وفوّض الأمين العام نزار بركة تدبير المفاوضات المرتبطة بمشاركة الحزب
وكان بركة قد كشف أن المنصوري عرضت على قيادة الحزب تصوراً لحكومة سياسية قوية ومنسجمة، تقوم على أقطاب قطاعية متجانسة وقواعد واضحة في العمل الحكومي.
أما التجمع الوطني للأحرار، فقد أعلن مجلسه الوطني بدوره استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة، وفوّض رئيسه محمد شوكي تدبير هذا الملف وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
وهكذا، أصبحت الصورة السياسية أكثر وضوحاً من حيث المواقف الأولية: الاستقلال اختار المشاركة، والأحرار أعلن الاستعداد لها، فيما حصلت المنصوري على تفويض للتفاوض باسم البام.
التفويض بدل القرار النهائي
يبدو أن جوهر قرار المجلس الوطني للبام يكمن في منح المنصوري هامشاً تفاوضياً أوسع قبل الإعلان عن التركيبة النهائية.
فالانتقال مباشرة إلى إعلان أسماء الأحزاب المشاركة كان سيضع سقفاً سياسياً للمفاوضات، بينما يسمح التفويض المفتوح نسبياً بمناقشة شروط المشاركة، وحجم التمثيل، والحقائب الوزارية، إضافة إلى البرنامج الحكومي وآليات التنسيق بين مكونات الأغلبية.
وبذلك، فإن ما حدث اليوم يمكن وصفه سياسياً بأنه تأجيل للحسم وليس إعلاناً عن صيغة نهائية.
حسابات البرلمان حاضرة بقوة
ولا تتعلق المفاوضات فقط بالعلاقات السياسية بين الأحزاب، وإنما أيضاً بالحسابات البرلمانية.
فالحكومة المقبلة تحتاج إلى أغلبية داخل مجلس النواب لدعم برنامجها وتمرير مشاريع القوانين، وهو ما يجعل عدد المقاعد وطبيعة التحالفات عاملين متداخلين في عملية تشكيل الأغلبية.
وبحسب النتائج التي أُعلن عنها، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً، فيما حصل التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، وحزب الاستقلال على 65 مقعداً. وفي هذا السياق، تصبح كل صيغة للتحالف مرتبطة ليس فقط بالعدد، وإنما أيضاً بمدى قدرة مكوناتها على التوافق حول برنامج حكومي واحد.
هل تعني خطوة البام استبعاد الأحرار؟
لا تسمح المعطيات الرسمية المتوفرة حتى الآن بالوصول إلى هذا الاستنتاج.
صحيح أن نقاشاً داخلياً بشأن مشاركة التجمع الوطني للأحرار كان حاضراً بقوة داخل المجلس الوطني للبام، كما نقل نزار بركة، خلال اجتماع المجلس الوطني لحزب الاستقلال، معلومات أولية عن رفض مشاركة الأحرار، قبل أن يوضح لاحقاً أن الأمر لم يكن دقيقاً.
لكن القرار النهائي الصادر عن المجلس الوطني للبام لم يتضمن، وفق المعطيات المنشورة، إعلاناً رسمياً باستبعاد التجمع الوطني للأحرار.
وهنا تكمن أهمية التفويض الممنوح للمنصوري: القرار النهائي بشأن خريطة الأغلبية بقي ضمن دائرة التفاوض.
المنصوري أمام ثلاثة ملفات تفاوضية
خلال الأيام المقبلة، ستجد رئيسة الحكومة المعيّنة نفسها أمام ملفات مترابطة:
-
تركيبة الأغلبية: تحديد الأحزاب التي ستشكل التحالف الحكومي.
-
مضمون المشاركة: توزيع المسؤوليات والحقائب ومواقع الأحزاب داخل الحكومة.
-
البرنامج الحكومي: الاتفاق على الأولويات وآليات تنفيذها.
وبالتالي، فإن المفاوضات لا تتعلق فقط بسؤال «من سيدخل الحكومة؟»، وإنما أيضاً بسؤال كيف ستشتغل الحكومة المقبلة، وما البرنامج الذي ستلتزم بتنفيذه؟
أسبوع حاسم في مسار تشكيل الحكومة
مع انتهاء اجتماعات المجالس الوطنية للأحزاب المعنية، انتقلت المشاورات إلى مرحلة جديدة.
فالاستقلال حسم موقفه باتجاه المشاركة، والأحرار أعلن استعداده للمشاركة، بينما احتفظ البام بهامش تفاوضي يسمح للمنصوري بإدارة الاتصالات قبل الإعلان عن الصيغة النهائية.
وعليه، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى أغلبية تضم الأحزاب الثلاثة، أم إلى صيغة أخرى تفرضها نتائج الانتخابات وموازين التفاوض.
وفي انتظار ذلك، يبقى المؤكد أن اجتماع المجلس الوطني للبام لم يغلق باب التحالفات، بل نقل قرار تشكيل الأغلبية من النقاش الداخلي إلى طاولة المفاوضات السياسية المباشرة.
وتتابع جريدة أصوات هذا المسار، مع التمييز بين القرارات الحزبية الرسمية والمواقف المعلنة، وبين الملفات التي لا تزال قيد التفاوض ولم تتحول بعد إلى قرارات نهائية.