كارل غاوس.. «أمير الرياضيات» الذي خلدته ألمانيا على عملتها
يُعد كارل فريدريش غاوس أحد أبرز علماء الرياضيات في التاريخ، وقد لُقّب بـ«أمير الرياضيات» نظرا إلى إسهاماته الواسعة في مجالات علمية متعددة، من بينها الهندسة والكهرباء الساكنة والجيوفيزياء والفلك والبصريات والإحصاء والجبر.
وتميز غاوس بشدة حرصه على جودة أعماله ودقتها، إلى درجة أنه امتنع عن نشر عدد من اكتشافاته وأبحاثه، قبل أن يعثر عليها العلماء بعد وفاته عام 1855 بين أوراقه ومذكراته الخاصة.
المولد والنشأة
ولد يوهان كارل فريدريش غاوس في 30 أبريل/نيسان 1777، في مقاطعة برونزويك الألمانية، وكان الابن الوحيد لأسرة فقيرة. وكانت والدته دوروثيا بينز أمية، بينما كان والده جيبهارد ديترتش غاوس عاملا بسيطا انشغل عنه بسبب كثرة العمل.
ولم تسجل والدته تاريخ ميلاده، لكنها كانت تتذكر أنه ولد يوم الأربعاء، قبل احتفال المعراج بثمانية أيام، وكان الاحتفال يأتي بعد عيد القيامة بـ40 يوما. وتمكن غاوس لاحقا من تحديد تاريخ ميلاده بدقة من خلال الحساب.
ظهرت موهبة غاوس في الرياضيات منذ طفولته، إذ كان قادرا على إجراء حسابات معقدة ذهنيا، الأمر الذي لفت انتباه معلمه باتنر. وفي المقابل، كرست والدته حياتها لرعايته وتعليمه، وسعت إلى تقديمه لدوق برونزويك للحصول على منحة تساعده في مواصلة دراسته.
تزوج غاوس مرتين وأنجب ستة أطفال. كان زواجه الأول من إليزابيث جوانا روزينا أوستوف في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1805، وأنجب منها جوزيف عام 1806، وفليلمنين عام 1808، ولويس عام 1809. وتوفيت زوجته بعد إنجاب ابنهما الثالث بخمسة أشهر، وقيل إن غاوس أصيب عقب وفاتها بانهيار عصبي وتأثر بها بشدة.
وفي عام 1810، تزوج فريدريكا فليلمنين فلدك، المعروفة باسم «مينا»، وهي صديقة جوانا المقربة. وأنجب منها ثلاثة أطفال: يوجين عام 1811، وفيلهلم عام 1813، وتريز عام 1816. وتوفيت مينا في 12 سبتمبر/أيلول 1831، وعانى غاوس بعد وفاتها من نوبات اكتئاب.
وكانت ابنته فليلمنين موهوبة بين أبنائه، لكنها توفيت شابة عام 1840. ولم تكن علاقة غاوس بأبنائه وطيدة، كما أنهم لم يتبعوا نهجه في دراسة الرياضيات، باستثناء ابنته الصغرى تريز التي تولت رعايته والاهتمام بمنزله حتى وفاته، قبل أن تتزوج بعد ذلك.
الدراسة والتكوين
التحق غاوس في السابعة من عمره بمدرسة القديسة كاثرين الابتدائية، حيث برز نبوغه الرياضي وقدرته اللافتة على حل المسائل الحسابية. ومن أشهر الوقائع التي أظهرت قدراته أنه تمكن من جمع الأعداد الصحيحة من 1 إلى 100 في وقت قياسي، فأثار إعجاب معلمه.
وكان معلمه، الذي عمل أيضا مدرسا خاصا له، قد طلب له منهجا حسابيا متقدما، فتمكن غاوس من حل مسائله. وفي عام 1788، التحق بمدرسة مارتينو كاثرينيم للقواعد وعمره 11 عاما، حيث درس اللاتينية واليونانية القديمة، إلى جانب الرياضيات واللغات الحديثة، وحقق تفوقا فيها.
وفي عام 1792، التحق بكلية كارولينوم، المعروفة حاليا بجامعة براونشفايغ التقنية، بدعم مالي من دوق برونزويك الذي أعجب بقدراته العقلية. وخلال هذه المرحلة، ظهرت إحدى أبرز اكتشافاته المبكرة، إذ تمكن من إنشاء مضلع منتظم ذي 17 ضلعا باستخدام المسطرة والبوصلة فقط.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1795، بدأ غاوس دراسته في جامعة غوتنغن، وتخرج فيها عام 1798 حاصلا على درجة الدكتوراه. وقدمت أطروحته دليلا على النظرية الأساسية للجبر، ثم قدم لاحقا ثلاثة أدلة رئيسية على النتيجة نفسها، فيما عُرف بـ«برهان غاوس».
وعُرف غاوس بتدقيقه الشديد في أعماله وتفانيه في البحث، كما كان معروفا بكراهيته للتدريس، رغم أن عددا من تلامذته أصبحوا علماء رياضيات بارزين، ومن بينهم ريتشارد ديدكايند وبرنارد ريمان وفريدريش بيسيل. كما حصلت طالبته صوفي جرمين على درجتها التشريفية بعد وفاته، بوصاية من غاوس نفسه.
وفي المجال السياسي، كان غاوس مناصرا للملكية، ورفض نابليون واعتبره امتدادا للثورة.
إسهاماته العلمية
في عام 1801، نشر غاوس أول كتاب منهجي حول نظرية الأعداد الجبرية، قدم فيه وصفا شاملا لحلول «كثيرات الحدود التربيعية» في متغيرين من الأعداد الصحيحة. وأسهم الكتاب في تعزيز الاعتراف بموهبته العلمية الاستثنائية.
وكان من أبرز إنجازاته في علم الفلك إعادة تحديد مدار كويكب «سيرس»، الذي اكتشفه الفلكي الإيطالي جوزيبي بيازي عام 1800، قبل أن يختفي الكويكب من مجال الرصد قبل جمع ملاحظات كافية لحساب مداره.
وفي عام 1807، عُين غاوس مديرا لمرصد غوتنغن، ثم صاغ طريقة «المربعات الدنيا»، واستنبط حلا للمعادلات ذات الحدين، وطوّر طريقة منحنى الجرس، أو منحنى الخطأ.
وفي عام 1830، بدأ اهتمامه بالمغناطيسية الأرضية، وشارك في أول استطلاع أُجري على نطاق عالمي لدراسة المجال المغناطيسي للأرض.
وفي عام 1831، توصل غاوس إلى معارف جديدة حول المغناطيسية بالتعاون مع أستاذ الفيزياء فلهيلم فيبر، وتمكن الاثنان عام 1833 من صناعة أول تلغراف كهرومغناطيسي.
كما أسس غاوس وفيبر «نادي المغناطيسية»، الذي كان يعمل على قياس المجال المغناطيسي للأرض في مناطق مختلفة من العالم.
وبعد طرد فيبر من منصبه عام 1837، تراجعت أبحاث غاوس، رغم استمراره في التواصل مع علماء آخرين. وكان غالبا ما يشير إلى ما يراه عيوبا في أعمالهم وينتقدها، أو يؤكد أنه توصل إلى بعض اكتشافاتهم في وقت سابق.
وأُطلق اسم «غاوس» على الوحدة الكهرومغناطيسية المستخدمة لقياس الحث المغناطيسي، كما طور طريقة لقياس الشدة الأفقية للمجال المغناطيسي، واستُخدمت هذه الطريقة حتى منتصف القرن العشرين.
واهتم غاوس أيضا برسم الخرائط ونظرية التوقعات الخاصة بالخرائط، وترك رؤى وأفكارا غير منشورة اكتشفها أصدقاؤه، تناولت طبيعة بعض المهام الرياضية المعقدة والتكامل.
كما أخفى عن معاصريه بعض اكتشافاته، ومنها وظائف الشكل البيضاوي، ولم ينشر حساب المعادلة التفاضلية التي تشرح السلسلة التي أطلق عليها «السلسلة فوق الهندسية».
وإلى جانب إنجازاته العلمية، أجاد غاوس عدة لغات، وتعلم الروسية عندما كان في الثانية والستين من عمره، كما كان من هواة جمع الكتب ومهتما بالمشاريع التي اعتبرها ذات أهمية للمجتمع.
الجوائز والتكريمات
حصل كارل غاوس على عدد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها:
-
ميدالية كوبلي من الجمعية الملكية في لندن.
-
جائزة الأكاديمية الدانماركية للعلوم عام 1823.
-
ميدالية صكها ملك هانوفر جورج الخامس عام 1856 تكريما له بعد وفاته.
-
وضع صورته على العملة الألمانية الورقية من فئة 10 ماركات.
-
الاحتفال بعام غاوس عام 2005 بالتعاون بين جامعة غوتنغن وجمعية غاوس، وتضمن معارض وسلسلة من المحاضرات.