جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

مؤتمر طنجة :من حلم الوحدة المغاربية إلى واقع الانقسام

Lepoint Diplomatique

عام 1958، كانت مدينة طنجة المغربية مسرحًا لاجتماع تاريخي حمل في طياته طموحات سياسية كبرى. داخل قصر مولاي حفيظ، التقى قادة حركات التحرر في المغرب وتونس والجزائر، في لحظة بدت وكأنها إعلان ولادة مشروع إقليمي غير مسبوق: بناء كيان فيدرالي تحت مسمى “الولايات المتحدة لشمال إفريقيا”.

ذلك اللقاء، الذي وثقته عدسات الأبيض والأسود، لم يكن مجرد اجتماع سياسي عابر، بل كان تعبيرًا عن مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة. فقد كانت تونس والمغرب قد نالا استقلالهما حديثًا، بينما كانت الجزائر لا تزال غارقة في حرب تحرير شرسة ضد الاستعمار الفرنسي. هذا التباين في الوضع السياسي لم يمنع بروز شعور قوي بالمصير المشترك، غذّته وحدة اللغة والدين والتاريخ، وأفرز فكرة طموحة لتجاوز الحدود الاستعمارية نحو فضاء سياسي موحد.

غير أن هذا المشروع الوحدوي، الذي بدا في لحظته الأولى قابلاً للتحقق، سرعان ما بدأ يتلاشى مع تغير المعطيات الإقليمية. فبعد استقلال الجزائر سنة 1962، اختفى العدو المشترك الذي كان يوحّد الصفوف، لتحل محله حسابات الدولة الوطنية الناشئة، وتباين الأولويات السياسية والاقتصادية بين الدول الثلاث. ومع تصاعد تأثيرات الحرب الباردة، دخلت المنطقة في اصطفافات دولية متباينة زادت من تعقيد المشهد.

وفي سبعينيات القرن الماضي، شكل نزاع الصحراء منعطفًا حادًا في العلاقات المغاربية، خصوصًا بين المغرب والجزائر، حيث تطورت الخلافات السياسية إلى قطيعة دبلوماسية وإغلاق للحدود البرية، ما عمّق الانقسام الإقليمي ورسّخ حالة من التوتر المزمن.

ورغم محاولة إحياء فكرة التقارب من خلال تأسيس “اتحاد المغرب العربي” عام 1989، إلا أن هذا المشروع لم ينجح في تجاوز الخلافات السياسية العميقة بين الدول الأعضاء، ليظل إطارًا مؤسساتيًا محدود الفاعلية، أقرب إلى الطموح المؤجل منه إلى الواقع الملموس.

اقتصاديًا، تكشف المؤشرات أن شمال إفريقيا يعد من أقل مناطق العالم اندماجًا، إذ تُقدّر الخسائر الناتجة عن ضعف التعاون الإقليمي بمليارات الدولارات سنويًا، في مفارقة لافتة بين عمق الروابط التاريخية والثقافية من جهة، وضعف التكامل السياسي والاقتصادي من جهة أخرى.

وبينما يستعيد المؤرخون مشهد طنجة عام 1958 كرمز لحظة أمل كبيرة في وحدة مغاربية ممكنة، يبقى الواقع الحالي شاهدًا على مسار مختلف، اتجه من الطموح الوحدوي إلى الانقسام، ومن مشروع الاندماج إلى واقع التجزئة.