من صخب الحملات إلى تحالفات ما بعد الاقتراع.. عندما تتغير لغة السياسة بعد إعلان النتائج
تُسدل الستارة على أربعة عشر يوماً من الحملة الانتخابية، وهي فترة تختزل الكثير من مظاهر التنافس السياسي، من الخطابات الحادة وتبادل الاتهامات إلى كشف الأوراق ومواجهة الخصوم أمام الناخبين.
وخلال هذه المرحلة، ترتفع حدة الخطاب السياسي، وتتحول المنصات واللقاءات الجماهيرية إلى ساحات للمواجهة، حيث يسعى كل طرف إلى إبراز نقاط ضعف منافسيه والتشكيك في قدرتهم على تدبير الشأن العام.
وبالنسبة إلى الناخب، قد يبدو المشهد أحياناً وكأنه معركة سياسية فاصلة، وأن الخلافات بين المتنافسين عميقة إلى درجة تجعل التعايش السياسي بينهم أمراً مستبعداً.
لكن ما إن تُغلق مكاتب التصويت وتُعلن النتائج، حتى تبدأ صورة أخرى في الظهور.
فمع انطلاق مشاورات تشكيل المجالس المحلية والإقليمية وبحث التحالفات، قد يجد المواطن نفسه أمام مشهد مختلف تماماً عن ذلك الذي عاشه خلال أيام الحملة: خصوم الأمس يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويتبادلون التحايا والمصافحات، بل وقد تجمعهم الصور التذكارية.
وهنا لا تكمن المشكلة في مبدأ التحالفات السياسية في حد ذاته، فالتحالفات جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية، خصوصاً عندما لا تفرز صناديق الاقتراع أغلبية واضحة. لكن الإشكال يبرز عندما يكون الانتقال من الخصومة الشديدة إلى التحالف السريع بلا تفسير سياسي واضح أو تقارب في البرامج والمواقف.
فالمواطن الذي تابع خلال الحملة اتهامات متبادلة وخطاباً حاداً بين الأطراف نفسها، قد يجد صعوبة في فهم كيف تحولت تلك الخصومة خلال أيام قليلة إلى شراكة في تدبير المجلس.
هذا التناقض بين خطاب الحملة وممارسة ما بعد الانتخابات يمكن أن يترك أثراً سلبياً على الثقة في العمل السياسي، ويعزز لدى جزء من المواطنين الاعتقاد بأن الخطاب الانتخابي لا يعكس دائماً المواقف الحقيقية للفاعلين السياسيين، وأن بعض الخلافات لا تتجاوز حدود المنافسة الظرفية.
كما أن التحالفات التي تُبنى بعد الاقتراع تحتاج، حتى تكون مقنعة للرأي العام، إلى قدر من الوضوح السياسي والبرنامجي. فالتحالف الديمقراطي لا يفقد مشروعيته لأنه جمع أطرافاً كانت متنافسة، وإنما يفقد جزءاً من مصداقيته عندما لا يعرف المواطن الأسباب التي جعلت الخصوم يتحولون إلى شركاء، ولا البرنامج الذي سيجمعهم في مرحلة التدبير.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على المنتخبين وحدهم، بل تشمل أيضاً الأحزاب السياسية التي يفترض أن تقدم للناخبين تفسيراً واضحاً لتحالفاتها واختياراتها، خصوصاً عندما تكون المواقف الجديدة مختلفة جذرياً عن الخطاب الذي سبق يوم الاقتراع.
فالسياسة ليست مجرد منافسة للوصول إلى المقاعد، وإنما مسؤولية مرتبطة بتدبير مصالح المواطنين. ومن الطبيعي أن تختلف الأحزاب، وأن تتنافس، وأن تغير مواقفها وفق نتائج الانتخابات، لكن ذلك كله ينبغي أن يتم داخل إطار من الأخلاق السياسية والوضوح والاحترام المتبادل.
كما أن النضج السياسي يقتضي تجاوز شخصنة الخلافات، والابتعاد عن التجريح والاتهامات غير المؤسسة، لأن ما يقال خلال الحملات الانتخابية لا يختفي بمجرد انتهاء الاقتراع، بل يبقى حاضراً في ذاكرة الناخب ويؤثر في نظرته إلى المؤسسات والمنتخبين.
فالناخب اليوم أكثر قدرة على متابعة الأحداث ومقارنة المواقف، وأصبح بإمكانه بسهولة رصد الفارق بين ما قيل خلال الحملة وما تم فعله بعدها.
ولهذا، فإن إعادة بناء الثقة في المؤسسات المنتخبة تبدأ من جعل المنافسة السياسية أكثر جدية، والخطاب أكثر مسؤولية، والتحالفات أكثر وضوحاً، والبرامج أكثر حضوراً من الحسابات المرتبطة بالمناصب.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يتحول الخصوم إلى شركاء؛ فالتحالف السياسي قد يكون ضرورياً لتشكيل الأغلبية وتدبير المؤسسات. المشكلة الحقيقية هي أن يحدث هذا التحول دون أن يعرف المواطن ما الذي تغير، وما الذي جمع هؤلاء الفرقاء، وما البرنامج الذي سيدافعون عنه معاً.
فالانتخابات ليست موسماً ينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، وإنما بداية لمسؤولية جديدة. والمواطن لا ينتظر من منتخبيه استمرار الخصومة إلى الأبد، بل ينتظر منهم أن يحولوا نتائج الاقتراع إلى برامج تنموية ملموسة، وأن تكون التحالفات وسيلة لخدمة المصلحة العامة، لا مجرد تقاسم للمواقع.
فالستار قد يسدل على الحملة الانتخابية، لكن مسرح المسؤولية يبدأ بعد ذلك.