جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

من «علاوة البنزين» في باريس إلى «السبورة» في المغرب.. قراءة في بوصلة الاحتجاجات

قراءة تحليلية

تكشف الاحتجاجات الاجتماعية، في كثير من الأحيان، طبيعة الأولويات التي تشغل المجتمعات، وما تعتبره خطاً أحمر في علاقتها بالدولة والمؤسسات. ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين بعض الاحتجاجات المرتبطة بالقدرة الشرائية في فرنسا، والحراك الذي عرفه قطاع التعليم العمومي في المغرب، كاشفة عن اختلاف في طبيعة المطالب والسياقات الاجتماعية والسياسية.

ففي فرنسا، ارتبطت احتجاجات عديدة خلال السنوات الماضية بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والأجور والضرائب، وهي مطالب تعكس بالأساس قلقاً مرتبطاً بالقدرة الشرائية والحفاظ على مستوى المعيشة. ويجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع ارتفاع كلفة الطاقة والأسعار، بما يضغط على ميزانية الأسر ويؤثر في نمط حياتها اليومي.

أما في المغرب، فقد حملت احتجاجات قطاع التعليم دلالات تتجاوز المطالب المادية المباشرة، بعدما ارتبط جزء مهم منها بقضايا مهنية وإدارية وبالدفاع عن مكانة المدرس، إلى جانب القلق المتزايد بشأن مستقبل المدرسة العمومية وجودة التعليم وتكافؤ الفرص.

فالمدرسة العمومية بالنسبة إلى ملايين الأسر المغربية ليست مجرد مرفق إداري أو قطاع حكومي، وإنما تمثل في كثير من الحالات الطريق الأساسي نحو تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأبناء. ولذلك فإن أي اضطراب طويل في هذا القطاع لا يُنظر إليه فقط باعتباره نزاعاً مهنياً، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر قلق اجتماعي واسع.

وقد أظهر الاحتقان الذي عرفه قطاع التعليم حجم المخاوف المرتبطة بالزمن المدرسي ومستقبل التلاميذ، خصوصاً عندما تمتد الأزمات لفترات طويلة. كما أعاد النقاش إلى الواجهة مسألة تكافؤ الفرص بين التعليم العمومي والخصوصي، ومدى قدرة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل على ضمان تعليم مستقر وجيد لأبنائها.

ومن هذه الزاوية، تبدو المدرسة العمومية في قلب سؤال أكبر يتعلق بالعدالة الاجتماعية. فكلما اتسعت الفوارق بين جودة الخدمات التعليمية المتاحة لمختلف الفئات، ارتبط النقاش حول التعليم بشكل مباشر بمسألة الحراك الاجتماعي وتكافؤ الفرص.

لكن المقارنة بين الاحتجاجات في فرنسا والمغرب تحتاج أيضاً إلى قدر من الحذر، لأن لكل مجتمع سياقه الاقتصادي والمؤسساتي والاجتماعي الخاص. كما أن الاحتجاجات الفرنسية نفسها لا تختزل دائماً في مطالب القدرة الشرائية، مثلما لا يمكن اختزال الاحتجاجات المغربية في قطاع التعليم وحده أو في مطلب مهني واحد.

ومع ذلك، تكشف هذه المقارنة عن اختلاف واضح في طبيعة القضايا التي تستحوذ على اهتمام الشارع. ففي المجتمعات التي قطعت أشواطاً طويلة في بناء الخدمات الاجتماعية، قد يتحول الصراع إلى الدفاع عن مستوى قائم من المعيشة أو المطالبة بتحسينه. بينما تظل قضايا مثل التعليم والصحة والشغل والخدمات الأساسية في مجتمعات أخرى مرتبطة مباشرة بسؤال بناء الدولة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص.

ومن هنا، فإن الاستثمار في المدرسة العمومية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنفاقاً قطاعياً فقط، بل استثماراً في الرأسمال البشري وفي الاستقرار الاجتماعي وفي مستقبل التنمية.

فالوقود الذي يحرك الاقتصاد ليس فقط الطاقة التي تستهلكها السيارات والمصانع، وإنما أيضاً المعرفة والمهارات التي ينتجها نظام تعليمي قادر على إعداد أجيال مؤهلة.

وبالتالي، فإن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من الاحتجاجات المرتبطة بالتعليم هي أن جودة المدرسة العمومية أصبحت جزءاً من النقاش حول مستقبل المجتمع نفسه. فالنموذج التنموي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات والمشاريع، وإنما كذلك بمدى قدرة المدرسة على منح أبناء مختلف الفئات فرصاً متقاربة لبناء مستقبلهم.

وفي نهاية المطاف، قد تختلف الشعارات وتتغير المطالب من شارع إلى آخر، لكن جوهر الاحتجاج يظل مرتبطاً بسؤال واحد: ما الذي يعتبره المجتمع أساسياً ولا يمكن التفريط فيه؟

وفي الوقت الذي قد تكون فيه القدرة الشرائية والطاقة محور الاحتجاج في سياقات معينة، فإن المدرسة العمومية تظل، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي، قضية تتجاوز حدود القطاع لتلامس سؤال العدالة الاجتماعية ومستقبل الأجيال