صمت تشكيل الحكومة يفتح باب التساؤلات.. أين وصلت مشاورات المنصوري؟
بقلم: الأستاذ م. ع
منذ تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، يترقب الرأي العام المغربي مآل المشاورات السياسية الجارية، في ظل غياب معطيات رسمية كافية حول طبيعة المفاوضات والمرحلة التي بلغتها، وما إذا كانت الأطراف المعنية قد اقتربت من صيغة نهائية للحكومة المقبلة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مفاوضات بين أحزاب سياسية، بل بمسار سيحدد ملامح الحكومة المقبلة، وأولوياتها وبرنامجها، في مرحلة ينتظر فيها المغاربة أجوبة عملية حول عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمس حياتهم اليومية.
ومن الطبيعي أن تجري مفاوضات تشكيل الحكومات في أجواء من الهدوء، وأن تظل بعض تفاصيلها بعيدة عن التداول الإعلامي. فالتفاوض السياسي يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى مساحة من السرية تتيح للأطراف مناقشة مواقفها وتصوراتها بعيداً عن الضغوط المباشرة.
غير أن سرية المفاوضات لا تعني غياب التواصل. كما أن الحفاظ على تفاصيل التفاوض بعيداً عن الإعلام لا يفترض بالضرورة ترك الرأي العام أمام فراغ معلوماتي طويل، يسمح للتكهنات والتسريبات والتأويلات باحتلال مساحة واسعة من النقاش العام.
المغاربة لا يطالبون بكشف ما يدور خلف الأبواب المغلقة، ولا ينتظرون نقل تفاصيل المشاورات لحظة بلحظة، وإنما ينتظرون تواصلاً مؤسساتياً واضحاً يجيب عن الأسئلة الأساسية: أين وصلت عملية تشكيل الحكومة؟ وما هي المرحلة التي بلغتها المشاورات؟ وهل اقتربت الأطراف من اتفاق نهائي؟ ومتى يمكن الإعلان عن التشكيلة الحكومية وبرنامجها؟
فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغاً طويلاً، خصوصاً في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مصدراً سريعاً للأخبار والمعلومات. وعندما تغيب المعلومة الرسمية، تبدأ الروايات غير المؤكدة في الانتشار، وقد تتحول الإشاعة إلى خبر متداول، والتكهن إلى حقيقة في نظر جزء من الجمهور، قبل أن تجد المؤسسات نفسها أمام ضرورة التصحيح والتوضيح.
ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة المكلفة والأحزاب السياسية المعنية بالمشاورات في تحقيق التوازن بين ضرورات التفاوض وحق المواطن في المعلومة.
فالديمقراطية لا تقتضي أن تتم جميع المفاوضات أمام الكاميرات، لكنها في المقابل لا تعني أن تظل القضايا المرتبطة بمستقبل الحكومة والمشهد السياسي محاطة بالصمت الكامل.
وفي هذه المرحلة، يظل الإعلام مطالباً أيضاً بممارسة دوره الطبيعي في طرح الأسئلة ومتابعة الشأن العام ونقل انتظارات المجتمع. فالصحافة المهنية لا تبحث بالضرورة عن أسرار المفاوضات، بقدر ما تبحث عن المعلومة الدقيقة، وتضع التطورات السياسية أمام الرأي العام، وتطالب بتفسيرات واضحة عند الحاجة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة الملفات التي ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بتدبيرها، من التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية إلى الاستثمار والإدارة والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي، فإن الطريقة التي ستتشكل بها الحكومة، والرسائل التي ستوجهها إلى المواطنين منذ لحظة تنصيبها، ستشكل جزءاً أساسياً من علاقتها بالرأي العام ومنسوب الثقة فيها.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال المطروح اليوم ليس موجهاً ضد شخص أو حزب، وإنما هو سؤال مشروع في صميم الممارسة الديمقراطية: أين وصلت مشاورات تشكيل الحكومة؟ وما القضايا التي لا تزال عالقة؟ وهل اقترب موعد الإعلان عن التشكيلة الحكومية، أم أن المشاورات تحتاج إلى مزيد من الوقت؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني الضغط على رئيسة الحكومة المكلفة، ولا التشكيك في حقها في إدارة المفاوضات بالطريقة التي تراها مناسبة، وإنما يعكس اهتماماً طبيعياً بمسار سياسي يهم مختلف فئات المجتمع.
لقد تغيرت علاقة المؤسسات بالرأي العام بشكل كبير، وأصبح تداول المعلومات أسرع من أي وقت مضى. ولذلك لم يعد الصمت الطويل وسيلة فعالة لإدارة المعلومة، بينما يظل التواصل المؤسساتي الواضح والمسؤول إحدى أهم الأدوات للحد من الإشاعات والتأويلات وحماية النقاش السياسي من الأخبار غير الموثوقة.
المغاربة ينتظرون حكومة واضحة المعالم، وبرنامجاً قابلاً للمساءلة، ومسؤولين قادرين على التواصل معهم وشرح الخيارات والقرارات. وهذا لا يتطلب كشف تفاصيل المفاوضات، بل تقديم الحد الأدنى من المعطيات التي تمكن الرأي العام من فهم موقع المشاورات والمسار الذي تتجه إليه.
وفي النهاية، فإن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، وإنما أيضاً بقدرتها على التواصل وشرح اختياراتها للمواطنين.
فالمرحلة الحالية تحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح، وإلى توازن بين حق الأحزاب في التفاوض بعيداً عن الضغط الإعلامي، وحق المجتمع في معرفة المعطيات الأساسية المتعلقة بمستقبل حكومته.
المغاربة لا يريدون أسرار المفاوضات.. وإنما يريدون معرفة الحقيقة حول مستقبل حكومتهم. وهذا مطلب مشروع، لأن الديمقراطية لا تُبنى فقط داخل صناديق الاقتراع والمؤسسات، وإنما تقوم أيضاً على الثقة والوضوح والتواصل المسؤول مع المواطن