ميزانية 2027 أمام تحدي تحسين القدرة الشرائية وإنعاش مداخيل الأسر
يواجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحديا مزدوجا يتمثل في مواصلة دعم الفئات الهشة، وفي الوقت نفسه توفير الظروف الاقتصادية الكفيلة بتحسين مداخيل الأسر بشكل مستدام، في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية رغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بالسنوات الماضية.
وتشير المعطيات إلى أن انخفاض التضخم لم ينعكس بالوتيرة نفسها على الحياة اليومية للأسر، بعدما شهدت الأسعار ارتفاعات قوية خلال السنوات السابقة. فقد بلغ التضخم 6,6 في المائة سنة 2022 و6,1 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0,9 في المائة سنة 2024 و0,8 في المائة خلال 2025، بينما سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك انخفاضا بنسبة 0,3 في المائة على أساس سنوي في غشت 2026.
ورغم هذا التراجع، تكشف مؤشرات ثقة الأسر استمرار الإحساس بارتفاع كلفة المعيشة؛ إذ تراجع مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة خلال الفصل الثاني من 2026، فيما أفادت 78,3 في المائة من الأسر بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا الماضية.
إصلاح مسالك التسويق في مواجهة غلاء الأسعار
يدفع استمرار الضغط على القدرة الشرائية إلى التركيز على العوامل التي تساهم في ارتفاع الأسعار، خصوصا في قطاع المواد الغذائية. وفي هذا السياق، تبرز مسألة تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، وما يترتب عنها من هوامش تؤثر في السعر النهائي.
وتطرح هذه الوضعية إصلاح أسواق الجملة وتطوير مسالك التسويق ضمن الأوراش التي يمكن أن تساهم في تخفيف الضغط على المستهلك، من خلال تعزيز الرقمنة والشفافية وتتبع مسار المنتجات ومراقبة الأسعار والهوامش.
كما يبرز مقترح إحداث مرصد للأسعار والهوامش كآلية محتملة لتوفير معطيات منتظمة حول توزيع القيمة بين المنتج والوسيط والموزع، بما يساعد على رصد الاختلالات وتحسين شفافية السوق.
ويرى الخبير الاقتصادي خليل مسعودي أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة استعادة الأسر لقدرتها الشرائية، مشيرا إلى أن معالجة الوضع تستدعي تفكيك سلسلة تكوين الأسعار، من الإنتاج والنقل والتسويق والوساطة إلى التوزيع.
وبحسب الخبير ذاته، فإن إصلاح أسواق الجملة ورقمنة المعاملات وتعزيز شفافية الهوامش يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على المستهلك وتحسين حصة المنتج من السعر النهائي.
من الدعم الاجتماعي إلى خلق مصادر دخل مستدامة
ولا تقتصر تحديات ميزانية 2027 على الأسعار، إذ تواجه الحكومة أيضا ضرورة الحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية في ظل محدودية الموارد المالية والالتزامات المرتبطة بالاستثمار والمالية العمومية.
ويستفيد نحو 3,9 ملايين أسرة من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بما يزيد على 12,5 ملايين شخص، فيما يرتقب أن يصل الغلاف المالي السنوي للبرنامج إلى حوالي 29 مليار درهم ابتداء من سنة 2026.
وفي المقابل، تسعى الحكومة إلى التحكم في عجز الميزانية والمديونية، مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي، وهو ما يفرض البحث عن استثمارات قادرة ليس فقط على إنجاز المشاريع، بل أيضا على خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة المحلية.
وتكشف سوق الشغل بدورها عن استمرار تحديات مهمة، فرغم إضافة الاقتصاد 279 ألف منصب خلال الفصل الثاني من 2026 وتراجع البطالة إلى 9,5 في المائة، بقي معدل بطالة الشباب في حدود 27,2 في المائة، بينما لم يتجاوز معدل مشاركة النساء 18,1 في المائة.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد يازيدي شافعي أن التحدي أمام ميزانية 2027 يتمثل في الانتقال من قياس فعالية السياسة الاجتماعية بحجم التحويلات المالية إلى تقييم قدرتها على تحسين دخل الأسر بشكل دائم.
ويؤكد أن التحويلات المباشرة تظل ضرورية لحماية الفئات الهشة، لكنها لا يمكن أن تعوض بمفردها ضعف التشغيل أو محدودية المداخيل، داعيا إلى ربط الاستثمار العمومي بشكل أكبر بخلق فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة المحلية.
وهكذا، تضع ميزانية 2027 أمام الحكومة معادلة تجمع بين حماية القدرة الشرائية، وإصلاح مسالك الأسعار، ودعم الفئات الهشة، وتحويل الاستثمار العمومي إلى فرص عمل ومداخيل فعلية. ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال تدريجيا من معالجة آثار ارتفاع الأسعار إلى معالجة العوامل المؤثرة في الأسعار والدخل، بما يتيح للأسر تحسين قدرتها الشرائية على أساس أكثر استدامة.