جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

هل يصبح البيض أقلية؟ قصة الأسطورة التي صنعت جحيم المسلمين في الغرب

lepointdiplomatique

بدأت نظرية “الاستبدال العظيم” كطرح متطرف يزعم وجود مؤامرة منظمة لإحلال المهاجرين، خصوصا المسلمين، محل السكان البيض في أوروبا وأمريكا، قبل أن تتحول إلى إحدى أكثر السرديات تأثيرا في خطاب اليمين المتطرف، وإلى دافع مباشر لعدد من الهجمات الإرهابية الدامية في السنوات الأخيرة.

وقد برزت هذه النظرية إلى الواجهة عالميا بعد الهجوم الإرهابي الذي نفذه الأسترالي برينتون تارانت على مسجدين في مدينة كرايستشيرش سنة 2019، وأسفر عن مقتل 51 مصليا. إذ نشر المهاجم بيانا بعنوان “الاستبدال العظيم” تبنى فيه مزاعم عن “إبادة جماعية للبيض”، معتبرا أن الهجرة والتعددية الثقافية تهدد وجودهم.

ويرجع أصل هذه النظرية إلى الكاتب الفرنسي رينو كامو، الذي قدمها سنة 2010 في Le Grand Remplacement، مدعيا أن أوروبا تشهد عملية تغيير ديموغرافي متعمد تدعمه نخب سياسية وإعلامية واقتصادية. غير أن هذا الطرح يفتقر إلى أساس علمي، ويعتمد على اقتباسات محرفة وتأويلات انتقائية للأرقام والإحصاءات.

ومن ثم، تبنت أحزاب وشخصيات من اليمين المتطرف هذه السردية، من بينها مارين لوبان وفيكتور أوربان وماتيو سالفيني، حيث استُخدمت لتأجيج المخاوف من الهجرة وتحويل النقاش العام من القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلى صراع هوياتي وثقافي.

وفي السياق نفسه، ألهمت هذه النظرية منفذي هجمات أخرى، من بينها هجوم إل باسو سنة 2019، ومجزرة بوفالو سنة 2022، ما دفع هيئات أممية وخبراء إلى التحذير من ارتباطها الوثيق بالتطرف العنيف والإرهاب الداخلي.

لكن، ورغم انتشارها الواسع، لا تصمد النظرية أمام التدقيق العلمي. ويؤكد عالم الديموغرافيا الفرنسي هيرفي لو برا في كتابه Il n’y a pas de grand remplacement أن معدلات الهجرة الحالية لا يمكن أن تؤدي حسابيا إلى “استبدال” السكان الأصليين، وأن المهاجرين وأبناءهم سيظلون أقلية داخل المجتمعات الأوروبية خلال العقود المقبلة.

وفي المقابل، تحولت هذه السردية إلى أداة سياسية فعالة لدى اليمين المتطرف، إذ توظف لتبرير السياسات المعادية للهجرة، وحشد الناخبين الغاضبين من تراجع مستويات المعيشة، عبر تحميل المهاجرين مسؤولية أزمات اقتصادية واجتماعية تعود في الأصل إلى اختلالات أعمق في النظام الاقتصادي.