جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

عندما تصبح الإشاعة رواية جاهزة: تفكيك الفوضى الرقمية

بقلم الاستاذ محمد عيدني فاس/lepointdiplomatique

في زمن لم تعد فيه المعلومة تُنتظر، بل تُصنع وتُستهلك في اللحظة نفسها، أصبح “الفضاء الرقمي” مجالاً مفتوحاً تتسابق فيه الروايات أكثر مما تتسابق فيه الحقائق. لم تعد الإشكالية في ندرة الخبر، بل في كثافته إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما هو ثابت وما هو مُعاد تشكيله داخل موجات التأويل السريع.

 

في هذا السياق، لم تعد الإشاعة مجرد خلل عابر في منظومة الإعلام، بل أصبحت آلية قائمة بذاتها داخل اقتصاد الانتباه، حيث تُعاد صياغة الوثائق والمعطيات خارج سياقاتها الأصلية، وتُقدَّم أحياناً في قوالب استنتاجية نهائية توحي بالدقة، بينما هي في جوهرها قراءات مجتزأة لا تستوفي شروط التحقق.

وقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة تداول ادعاءات مرتبطة ببعض المسؤولين العسكريين، من بينهم المفتش العام للقوات المسلحة الملكية الجنرال محمد بريظ، وقائد الحرس الملكي الجنرال عبد العزيز شاطر، في سياق قراءات لوثائق ومعطيات عقارية متداولة رقمياً، دون أن تستند هذه التأويلات إلى وثائق رسمية مكتملة أو معطيات قابلة للتثبيت من مصادر مستقلة.

خطورة هذا النوع من التداول لا تكمن فقط في مضمون الادعاء، بل في بنيته الرقمية نفسها، حيث يتم اقتطاع عناصر تقنية من سياقها القانوني وإعادة تركيبها داخل سرديات جاهزة، تبدو في ظاهرها متماسكة، لكنها تنهار عند أول اختبار قانوني أو منهجي. فالمفاهيم المرتبطة بالعقار، مثل الملكية المجزأة أو حق الانتفاع أو الهبة، ليست عبارات إنشائية، بل بنى قانونية دقيقة لا يمكن تفكيكها خارج الإطار الذي أنتجها.

وفي المجال العقاري على وجه الخصوص، لا تُقرأ الوثائق كصور ثابتة للواقع، بل كنصوص قانونية مشروطة بسياقها الكامل: من طبيعة العقد، إلى شروطه، إلى آثاره القانونية. وأي إخراج لهذه العناصر من بنيتها الأصلية يؤدي حتماً إلى إنتاج معنى موازٍ لا يعكس بالضرورة الحقيقة القانونية، بل تصوراً رقمياً عنها.

وفي موازاة ذلك، تخضع ممتلكات المؤسسات العمومية، بما فيها ذات الطابع العسكري، لمنظومات قانونية وإدارية دقيقة، تقوم على مساطر مضبوطة من التوثيق والمراقبة، تجعل أي قراءة قانونية لقراراتها أو تصرفاتها رهينة بالمعطيات الرسمية، لا بالانطباعات المتداولة في الفضاء الرقمي.

غير أن الإشكال الأعمق اليوم لا يتعلق فقط بصحة المعلومة، بل بطريقة تحولها داخل المنصات الرقمية إلى “حقيقة اجتماعية” بمجرد تكرارها وانتشارها. فالمتلقي لم يعد يستهلك الخبر، بل يعيد إنتاجه، ويعيد تأويله، ويمنحه أحياناً معاني تتجاوز بنيته الأصلية، في لحظة تتقلص فيها المسافة بين التلقي والحكم.

وفي المقابل، يبرز داخل هذا المشهد وعي رقمي متنامٍ لدى فئات من المستخدمين، باتت أكثر حساسية تجاه مصادر المعلومات، وأكثر ميلاً إلى التحقق قبل التبني، وهو تحول تدريجي يعكس بداية انتقال من ثقافة التلقي السريع إلى ثقافة القراءة النقدية.

لكن رغم هذا التحول، يظل التحدي قائماً: كيف يمكن إبطاء سرعة الحكم دون إبطاء تدفق المعلومة؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار لفعل التحقق في فضاء يُكافئ السرعة أكثر مما يكافئ الدقة؟

إن مواجهة الإشاعة في نهاية المطاف ليست معركة ضد محتوى عابر، بل مواجهة مع نمط كامل من إنتاج المعنى داخل الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الحقيقة تُكتشف فقط، بل تُفكك وتُراجع وتُبنى من جديد داخل دائرة لا تنتهي من التفسير والتأويل.