جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

الأفكار العائمة… خطاب بلا أثر يربك الوعي ويعطل التنمية

بقلم الاستاد محمد عيدني فاس

الرباط – في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وبروز أدوات تحليل متقدمة، تتزايد على منصات التواصل أشكال من الخطاب يمكن وصفها بـ“الأفكار العائمة”؛ وهي أطروحات تفتقر إلى الدقة والمرجعية، وتتحرك في فضاء النقاش دون أن تستقر على معنى واضح أو نتيجة قابلة للنقاش.

 

هذه الظاهرة، التي يلاحظها متابعون للشأن العام، تقوم على تداول أفكار غير مكتملة، لا تستند إلى معطيات موثوقة، وتُطرح بصيغة توحي بالعمق بينما تفتقر إلى التحليل. ويؤكد مختصون في التواصل أن هذا النمط يُربك المتلقي ويخلق ضبابية معرفية، خصوصاً حين يُقدَّم في قوالب خطابية جذابة أو مثيرة للجدل.
في هذا السياق، يرى باحثون في مجال السيميائيات أن غياب الربط بين “الدال” و“المدلول” يحوّل الرسالة إلى بناء هش، وفق ما أشار إليه كل من Ferdinand de Saussure وCharles Sanders Peirce، حيث تصبح العلامة فاقدة لوظيفتها التواصلية. ويُترجم ذلك عملياً في انتشار خطاب يعتمد على التلميح بدل التصريح، وعلى إثارة الانتباه بدل تقديم المعنى.
ويرتبط انتشار هذا النوع من الخطاب بعدة عوامل، من بينها السعي إلى التأثير السريع في الرأي العام، أو الهروب من المساءلة الفكرية، أو تعويض غياب الفعل بوفرة الكلام. وفي حالات أخرى، يتحول إلى أسلوب للمناورة، يُستخدم لإرباك النقاش العمومي أو لتأجيل الحسم في قضايا واضحة.
ويحذر مهتمون من أن استمرار تداول “الأفكار العائمة” قد ينعكس سلباً على جودة النقاش العمومي، إذ يساهم في تمييع القضايا الجادة ويضعف الثقة في الخطاب المسؤول، خاصة في سياقات تتطلب وضوحاً في الرؤية والتزاماً بالفعل.
في المقابل، تبرز دعوات متزايدة إلى ترسيخ ثقافة تواصل قائمة على الوضوح والدقة، وربط القول بالفعل، وتقديم المعطيات بدل الانطباعات. كما يُشدد على أهمية التحقق من المعلومات قبل نشرها، واعتماد مقاربات تحليلية تُمكّن من فهم القضايا بدل تعويمها.
ويخلص متابعون إلى أن مواجهة هذا النمط من الخطاب لا تكون بالرد عليه بأسلوب مماثل، بل بتعزيز إعلام مهني يضع المعلومة في سياقها الصحيح، ويمنح المتلقي أدوات التمييز بين الرأي المؤسس والمعنى العائم، بما يخدم نقاشاً عمومياً صحياً ومسؤولاً.