كيف نقلت السخرية السياسية «حزب الصاك» من الهامش إلى صدارة المشهد في فاس؟
في السياسة، قد لا تحتاج الرسائل الاحتجاجية دائماً إلى خطب طويلة أو بيانات نارية حتى تثير الانتباه؛ أحياناً تكفي حقيبة يد تحمل عبارة ساخرة لتحويل نقاش محلي إلى قضية تتجاوز حدود قاعة الاجتماع.
هذا ما حدث خلال دورة أكتوبر 2026 لمجلس جماعة فاس، حين اختار المستشار الجماعي علي بومهدي التعبير عن احتجاجه بطريقة غير مألوفة، حاملاً حقيبة كُتبت عليها عبارة «حزب الصاك»، قبل أن يعلن استقالته ومغادرته أشغال الدورة.
ما كان يمكن أن يظل مجرد لقطة ساخرة داخل دورة جماعية، سرعان ما تحول إلى موضوع واسع التداول على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد ردود الفعل القوية التي صدرت عن مستشاري حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما منح الواقعة زخماً إضافياً وأخرجها من نطاق المناكفة المحلية إلى دائرة النقاش العمومي.
من الاحتجاج الرمزي إلى «الترند»
في بدايتها، بدت واقعة «حزب الصاك» أقرب إلى حركة احتجاجية ساخرة يمكن أن تنتهي بانتهاء الجلسة. غير أن التفاعل السياسي معها غيّر مسارها بشكل لافت.
فبدلاً من أن تمر العبارة مرور الكرام، أثارت ردود فعل غاضبة من مستشاري حزب الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي جعل الحقيبة تتحول من مجرد أداة رمزية إلى عنوان لمواجهة سياسية.
ومع انتشار صور ومقاطع الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي، انتقلت الحكاية من فضاء المجلس الجماعي إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الصورة الساخرة أكثر قدرة على الانتشار من الخطاب السياسي التقليدي.
وهنا تظهر مفارقة التواصل السياسي الحديث: قد تكون ردة الفعل على الاحتجاج أقوى من الاحتجاج نفسه في صناعة الحدث.
حين تحولت السخرية إلى قضية سياسية
لم يعد «حزب الصاك» مجرد عبارة ساخرة أو لقطة عابرة، بعدما دخلت الواقعة في سجال سياسي وإعلامي أوسع.
فالانسحاب من الجلسة، وما رافقه من توتر، ساهم في ترسيخ الانطباع بأن الرسالة الرمزية للحقيبة أصابت هدفاً سياسياً حساساً. وبذلك، انتقلت السخرية من مستوى الإيحاء إلى مستوى النقاش المباشر حول طبيعة الصراعات داخل المجالس المنتخبة، وحدود المناكفة السياسية، وأشكال الاحتجاج التي باتت تفرض نفسها في زمن وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعبارة أخرى، رد الفعل منح الرمز حياة سياسية لم تكن له بالضرورة قبل دخوله دائرة الجدل.
السخرية السياسية.. احتجاج بلغة مختلفة
تكشف واقعة «حزب الصاك» عن تحول مهم في أدوات الاحتجاج السياسي. فالسخرية لم تعد مجرد وسيلة للترفيه أو للتعليق على الأحداث، بل أصبحت أداة للتعبير والضغط وكسر اللغة الرسمية التي تهيمن عادة على النقاشات السياسية.
فالرمز البسيط يمكن أن يختصر رسالة معقدة، والصورة الواحدة قد تكون أكثر تأثيراً من صفحات من البيانات.
وفي هذا السياق، تتحول السخرية إلى نوع من المواجهة الرمزية التي تضع السياسيين أمام صورة مختلفة عن الخطاب التقليدي، وتسمح للجمهور بإعادة تفسير المشهد السياسي بلغة أكثر بساطة وانتشاراً.
غير أن قوة هذا النوع من الاحتجاج تكمن أيضاً في قدرته على فتح باب التأويل؛ فكلما كانت الرسالة ساخرة وموحية، اتسعت مساحة النقاش حول المقصود منها، ومن تستهدف، وما الذي دفع إلى إطلاقها.
لماذا كانت فاس أرضاً خصبة لانتشار الواقعة؟
يصعب فصل سرعة انتشار هذه الواقعة عن خصوصية مدينة فاس، بما تمثله من ثقل تاريخي وسياسي وحضور دائم في النقاشات المرتبطة بالشأن العام.
فالحياة السياسية المحلية في فاس كثيراً ما تتقاطع فيها الحسابات الحزبية مع رهانات التدبير الجماعي، الأمر الذي يجعل الأحداث داخل مجلس الجماعة قابلة بسرعة للتحول إلى مادة للنقاش خارج أسوار المجلس.
ومن هنا، لم تبقَ «حقيبة بومهدي» مجرد تفصيل داخل دورة جماعية، بل أصبحت صورة تختزل لحظة سياسية أثارت فضول المتابعين، ودفعت كثيرين إلى التساؤل حول خلفياتها وانعكاساتها على المشهد المحلي.
هل تنتهي القصة عند حدود «الترند»؟
السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بمدى استمرار تداول عبارة «حزب الصاك» على منصات التواصل، وإنما بما يمكن أن تتركه الواقعة من أثر على العلاقات السياسية داخل مجلس جماعة فاس.
فالاستقالة وما رافقها من توتر وردود فعل حزبية قد تعيد فتح النقاش حول تماسك التحالفات القائمة، وحول قدرة مكونات المجلس على تجاوز الخلافات والعودة إلى منطق التدبير والتوافق.
وإذا كان من المبكر الحديث عن تغييرات جوهرية في الخريطة السياسية المحلية، فإن المؤكد أن الواقعة أضافت عنصراً جديداً إلى المشهد، يتمثل في قوة الرمز والسخرية في إعادة ترتيب أولويات النقاش السياسي.
درس في صناعة الحدث السياسي
تكشف واقعة «حزب الصاك» أن صناعة الحدث السياسي في عصر المنصات الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بحجم القرار أو أهمية المؤسسة التي يصدر عنها، وإنما كذلك بقدرة الصورة والرمز وردود الفعل على صناعة التفاعل.
فقد تبدأ القصة بحركة احتجاجية بسيطة، لكن ردود الفعل عليها قد تمنحها حياة جديدة، وتحولها إلى مادة للنقاش الوطني.
وهكذا، تحولت حقيبة يد تحمل عبارة ساخرة، داخل قاعة مجلس جماعة فاس، إلى رمز لجدل سياسي تجاوز حدود المدينة. وربما يكون الدرس الأبرز من هذه الواقعة أن السخرية قد تبدأ كأداة احتجاج، لكنها تصبح حدثاً سياسياً كاملاً عندما تجد أمامها ردة فعل قادرة على تضخيمها.