من دهان السيارات إلى صناعة الأفران.. النزوح يفرض مهنًا جديدة على سكان غزة بحثًا عن لقمة العيش
فرضت الحرب والنزوح في قطاع غزة واقعاً اقتصادياً واجتماعياً قاسياً على آلاف العائلات، بعدما فقد كثير من السكان أعمالهم ومصادر دخلهم، واضطروا إلى البحث عن مهن بديلة لم تكن ضمن حساباتهم قبل اندلاع الحرب، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة ومواجهة الغلاء المتزايد.
وفي ظل تدمير الورش وتعطل المركبات وانحسار فرص العمل، تحولت مخلفات المنازل والأجهزة التالفة إلى مواد أولية لمشروعات صغيرة، فيما لجأ آخرون إلى بيع الملابس المستعملة وإصلاح الأثاث، في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها ظروف الحرب على الحياة اليومية للنازحين.
صناعة الأفران من مخلفات الثلاجات
من بين هذه القصص، حكاية إبراهيم أبو ديب، البالغ من العمر 44 عاماً، الذي اضطر إلى التخلي عن مهنته في دهان السيارات بعد فقدان ورشته في المنطقة الشرقية من قطاع غزة، والتي كان يشغل فيها عشرة عمال ويعتمد عليها في إعالة أسرته.
وفي منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع، بدأ أبو ديب رحلة مهنية جديدة، تقوم على جمع ألواح الصاج من الثلاجات التالفة، ثم قصها وثنيها وتثقيبها لتحويلها إلى أفران بدائية يحتاج إليها النازحون للطهي داخل خيامهم.
ويقول أبو ديب إن استمرار الحرب وانقطاع مصادر الدخل دفعاه، إلى جانب عدد من جيرانه، إلى البحث عن أي فرصة عمل تتيح لهم توفير احتياجات أسرهم.
ويشتري العاملون الثلاجات المعطلة بأسعار تتراوح بين 50 و100 شيكل، قبل تفكيكها واستخراج الصفائح المعدنية منها. ويحتاج تصنيع الفرن الواحد إلى نحو ساعتين أو ثلاث ساعات من العمل، فيما يبيع أبو ديب ما بين فرنين وثلاثة أفران يومياً.
ورغم أن دخله اليومي لا يتجاوز نحو 30 شيكلاً، فإنه يرى في هذه الحرفة وسيلة أفضل من البقاء دون عمل أو الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.
من قيادة سيارات الأجرة إلى جر عربات الملابس
وعلى مسافة قريبة، اضطر بهاء أبو جامع، البالغ من العمر 43 عاماً، إلى تغيير طبيعة عمله بعدما توقفت سيارة الأجرة التي كان يعتمد عليها في توفير دخل أسرته.
فقد دفعته الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود والزيوت والإطارات، إلى جانب صعوبة الحصول على قطع الغيار، إلى التخلي عن قيادة السيارة والاتجاه نحو بيع الملابس المستعملة باستخدام عربة يجرها بنفسه.
ويعمل أبو جامع وشريكه على قطع مسافات تصل إلى ستة كيلومترات ذهاباً وإياباً، بين منطقة الأقصى غرباً وعمارة جاسر شرقاً، لبيع الملابس وتحقيق دخل يومي يتراوح بين 30 و40 شيكلاً، يتقاسمانه لإعالة أسرتيهما اللتين تضمان عشرة أفراد.
ويؤكد أن هامش الربح لا يتجاوز شيكلاً أو شيكلين عن القطعة الواحدة، مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها النازحون، والذين تراجعت قدرتهم على شراء الملابس من المتاجر التقليدية.
ويستذكر أبو جامع حياته قبل الحرب، حين كان يعمل سائقاً ويحقق دخلاً أفضل، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى جر عربة متواضعة في الشوارع بحثاً عن مصدر رزق بديل.
من ملاعب كرة القدم إلى إصلاح الأثاث المستعمل
أما عبد الله عبد العال، البالغ من العمر 40 عاماً، فقد اختار التوجه إلى تجارة الأثاث المستعمل وإصلاحه، بعدما اضطر إلى النزوح من مدينة رفح إلى خان يونس.
واستفاد عبد العال من الظروف التي فرضها النزوح على العائلات، إذ تضطر أسر كثيرة إلى بيع بعض مقتنياتها وأثاثها لتسهيل الانتقال من مكان إلى آخر.
ويشتري قطع الأثاث المستعمل، بما فيها غرف النوم والأرائك والأسرة والخزائن والكراسي والسجاد، قبل إصلاح التالف منها وتجديده وإعادة بيعه بأسعار تناسب العائلات محدودة الدخل، خصوصاً المقبلين على الزواج الذين يحاولون تجهيز منازلهم بأقل التكاليف الممكنة.
ولم تتوقف محاولاته عند تجارة الأثاث، بل امتدت إلى أعمال أخرى، من بينها تجهيز المشاطيح والشوادر والخزانات، في مهن اضطر إلى تعلمها لمواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.
وكان عبد العال لاعب كرة قدم في نادي شباب رفح، ويطمح إلى استكمال مسيرته الرياضية من خلال التدريب أو العمل الإداري والفني، لكن الحرب بدلت مسار حياته وفرضت عليه البحث عن فرص عمل مختلفة.
وتضاعفت مسؤولياته العائلية مع إعالته تسعة أطفال، إلى جانب والدته المقعدة وأرملة شقيقه وأطفالها، ما جعله مضطراً إلى العمل في مجالات متعددة لتأمين احتياجات أسرته.
الحرب تعيد تشكيل سوق العمل في غزة
ولا تقتصر التحولات التي يشهدها قطاع غزة على فقدان الوظائف وتبدل المهن، بل تمتد إلى أنماط الاستهلاك والشراء والتنقل وتدبير الاحتياجات اليومية.
فالملابس المستعملة أصبحت خياراً أساسياً لعدد متزايد من الأسر، والأثاث الذي جرى إصلاحه بات بديلاً عن شراء قطع جديدة، فيما تحولت الأجهزة المنزلية التالفة ومخلفات الدمار إلى مواد أولية لمهن ومشروعات صغيرة فرضتها الظروف الاستثنائية.
وتعكس قصص إبراهيم وبهاء وعبد الله جانباً من معاناة النازحين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي مختلف، بعدما فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم، واضطروا إلى التخلي عن طموحاتهم المهنية والبحث عن فرص بديلة.
وبين صناعة الأفران وبيع الملابس المستعملة وإصلاح الأثاث، تتواصل محاولات سكان غزة للتكيف مع تداعيات الحرب، في ظل محدودية الموارد وغياب فرص العمل التقليدية، حيث أصبح تأمين لقمة العيش أولوية تتقدم على المهن والطموحات التي كانت تشكل جزءاً من حياتهم قبل الحرب.