جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

الحكم الذاتي في كورسيكا يثير انقساماً في فرنسا.. مجلس الشيوخ أمام اختبار دستوري حاسم

يستعد مجلس الشيوخ الفرنسي لمناقشة مشروع إصلاح دستوري يرمي إلى توسيع صلاحيات جزيرة كورسيكا في تدبير شؤونها المحلية، وسط خلافات سياسية بشأن حدود الحكم الذاتي المقترح ومدى انسجامه مع المبادئ الدستورية للجمهورية الفرنسية.

ويأتي هذا النقاش بعد مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على المشروع في يونيو الماضي، في خطوة تهدف إلى الاعتراف بالخصوصيات المحلية للجزيرة ومنح سلطاتها إمكانات أوسع لتكييف بعض القواعد القانونية مع واقعها المحلي، بينما لا تزال فرص استكمال المسار التشريعي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة غير محسومة.

إصلاح دستوري يعيد النقاش حول مستقبل كورسيكا

تعود جذور المبادرة إلى سنة 2022، حين أطلق وزير الداخلية الفرنسي السابق جيرالد دارمانان، بطلب من الرئيس إيمانويل ماكرون، مشاورات بشأن الوضع المؤسساتي لكورسيكا، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية تمنح الجزيرة صلاحيات إضافية في إطار الجمهورية الفرنسية.

ويتيح المشروع، وفق المعطيات الواردة في النص الأصلي، إمكانية تكييف القوانين والأنظمة الوطنية مع الخصوصيات المحلية للجزيرة، فضلاً عن منح سلطاتها صلاحيات لإصدار نصوص خاصة بها، قد تشمل مجالاً تشريعياً، على أن تحدد شروط ممارسة هذه الاختصاصات بموجب قانون تنظيمي لاحق.

غير أن الإشارة إلى وجود «مجتمع جزيري» تربطه علاقة خاصة بأرض كورسيكا أثارت خلافات بين البرلمانيين، بالنظر إلى ما تطرحه هذه الصياغة من تساؤلات بشأن العلاقة بين الاعتراف بالخصوصيات المحلية ومبادئ الدستور الفرنسي.

مجلس الشيوخ.. العقبة الأبرز أمام المشروع

يمثل مجلس الشيوخ محطة حاسمة في مسار الإصلاح، في ظل هيمنة قوى اليمين على تركيبته وتحفظ عدد من أعضائه على نقل صلاحيات تشريعية إلى السلطات المحلية.

وتتجلى الانقسامات داخل المجلس بين تيار متحفظ على المشروع، يرى أن بعض مقتضياته قد تفتح المجال أمام إقرار وضع دستوري خاص على أساس الانتماء المجتمعي، وآخر يدافع عن توسيع اللامركزية ومنح كورسيكا صلاحيات أوسع لتدبير شؤونها.

وفي هذا السياق، يدافع السيناتور بول توسان باريجي عن التسوية التي جرى التوصل إليها داخل الجمعية الوطنية، معتبراً أن مجلس الشيوخ، باعتباره ممثلاً للجماعات الترابية، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الإرادة الديمقراطية لسكان الجزيرة.

في المقابل، ترى السيناتورة موريل جوردا، المكلفة بتقديم التقرير بشأن المشروع، أن النص لا يزال يفتقر إلى الوضوح في تحديد نطاق الصلاحيات المقترحة، محذرة من أن إحالة تفاصيلها إلى قانون تنظيمي مستقبلي قد تثير إشكالات بشأن حدود الاختصاصات الممنوحة للسلطات المحلية.

تعديلات برلمانية ومحاولات للتوافق

وكانت لجنة القوانين بمجلس الشيوخ قد أقرت تعديلات على المشروع، من بينها حذف الإشارة إلى «المجتمع الجزيري»، على أن تخضع هذه التعديلات لمناقشة جديدة خلال الجلسة العامة.

ورغم الاتصالات بين ممثلي اليمين والوسط واليسار، لا تزال الخلافات قائمة بشأن طبيعة الصلاحيات التي يمكن نقلها إلى مؤسسات كورسيكا، وحدودها القانونية والدستورية.

وفي هذا الإطار، أعربت السيناتورة الوسطية إيزابيل فلورين عن إمكانية التوصل إلى حل توافقي، بينما اعتبر السيناتور الاشتراكي إريك كيروش أن المصادقة على المشروع داخل مجلس الشيوخ ستشكل تقدماً مهماً، حتى في حال استمرار مراحل تشريعية أخرى قبل دخوله حيز التنفيذ.

مسار دستوري معقد قبل الانتخابات الرئاسية

لا يقتصر التحدي الذي يواجه المشروع على تجاوز الخلافات السياسية داخل مجلس الشيوخ، بل يمتد إلى استكمال المسار الدستوري الذي يفرض موافقة الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ على نص متطابق، قبل عرضه على البرلمان الفرنسي بمجلسيه المجتمعين في مؤتمر.

ويتطلب اعتماد التعديل موافقة ثلاثة أخماس الأصوات المعبر عنها خلال انعقاد المؤتمر، وهو ما يجعل التوصل إلى توافق سياسي واسع شرطاً أساسياً لاستكمال الإصلاح.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية واستمرار الخلافات بشأن حدود الحكم الذاتي، تظل إمكانية إقرار التعديل الدستوري في الآجال المرتقبة غير مؤكدة، في انتظار ما ستسفر عنه المناقشات والمفاوضات بين مختلف الكتل البرلمانية.

ويعيد هذا الملف إلى الواجهة النقاش الفرنسي حول التوازن بين وحدة الدولة وتوسيع صلاحيات الجماعات الترابية، في ظل البحث عن صيغة مؤسساتية تستجيب لخصوصيات كورسيكا دون المساس بالمرتكزات الدستورية للجمهورية.