جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

صراع الأقطاب في كواليس المشاورات.. وزارة الفلاحة بين طموح «البام» ومنطق الاستمرارية لدى «الأحرار»

الرباط – تتجه الأنظار، مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، إلى طبيعة التوازنات التي ستحدد توزيع الحقائب الوزارية، خصوصاً القطاعات ذات الثقل الاقتصادي والاجتماعي. وفي مقدمة هذه القطاعات تبرز وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، باعتبارها من الوزارات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والتنمية القروية والاستثمار في المجال الفلاحي.

وتكتسب هذه الحقيبة أهمية إضافية في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً.

الفلاحة.. حقيبة تتجاوز حدود الوزارة

لا يتعلق النقاش حول وزارة الفلاحة بمجرد حقيبة وزارية ضمن التشكيلة الحكومية، إذ يرتبط القطاع بملفات استراتيجية تشمل الأمن الغذائي، تدبير الموارد المائية، التنمية القروية، الاستثمار الفلاحي، ودعم سلاسل الإنتاج.

ولهذا السبب، فإن الجهة التي ستتولى تدبير هذه الوزارة ستكون أمام ملفات ذات انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة، ما يجعلها إحدى الحقائب التي يمكن أن تعكس طبيعة التوازن داخل الأغلبية المقبلة.

وفي هذا السياق، تبرز، وفق المعطيات المتداولة حول المشاورات، رغبة لدى حزب الأصالة والمعاصرة في الحصول على حقائب اقتصادية واجتماعية وازنة، ومن بينها وزارة الفلاحة. غير أن هذه الرغبة تبقى، في انتظار الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية، جزءاً من حسابات التفاوض وليست قراراً محسوماً.

«البام» يبحث عن بصمته داخل القطاعات الاستراتيجية

تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات بـ97 مقعداً يمنحه موقعاً مركزياً في المشاورات المتعلقة بتشكيل الأغلبية.

ومن الطبيعي، في سياق مفاوضات تشكيل الحكومات، أن يرتبط حجم التمثيلية البرلمانية بمطالب الأحزاب المتعلقة بالحقائب الوزارية، وإن كان توزيع المسؤوليات يخضع في النهاية لتوافقات سياسية أوسع من الحساب العددي للمقاعد.

ومن هذه الزاوية، فإن سعي «البام» إلى حضور قوي في القطاعات الاقتصادية يمكن قراءته ضمن محاولة ترجمة وزنه الانتخابي إلى حضور تنفيذي، خصوصاً في الملفات التي تشكل صلب السياسات العمومية خلال الولاية المقبلة.

لكن الحديث عن وضع وزارة الفلاحة ضمن «الخطوط الحمراء» للحزب يحتاج إلى تأكيد رسمي أو تصريح مباشر من قيادته، ولذلك تبقى هذه النقطة في إطار المعطيات المتداولة والتحليل السياسي إلى حين اتضاح مخرجات المشاورات.

«الأحرار» وذاكرة تدبير قطاع الفلاحة

في المقابل، ترتبط وزارة الفلاحة سياسياً بحزب التجمع الوطني للأحرار وبمسار عزيز أخنوش، الذي تولى حقيبة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات لسنوات قبل انتقاله إلى رئاسة الحكومة.

وهو ما يجعل أي نقاش حول مستقبل هذه الوزارة مرتبطاً أيضاً بمسألة الاستمرارية في البرامج والسياسات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية.

لكن من المهم التمييز بين الارتباط السياسي والتاريخي بالحقيبة وبين امتلاك حق تلقائي في الاحتفاظ بها؛ فالتشكيلة الحكومية الجديدة ستكون في النهاية نتاج تفاوض بين مكونات الأغلبية، وليس امتداداً آلياً للتوزيع الحكومي السابق.

وزارة الفلاحة.. اختبار للتوازن داخل الأغلبية

الحسم في الجهة التي ستتولى وزارة الفلاحة سيكون، في حال تأكد وجود تنافس حولها، مؤشراً على طبيعة التوازنات التي ستفرزها المشاورات.

فإذا انتقلت الحقيبة إلى حزب آخر، فقد يُقرأ ذلك باعتباره توجهاً نحو إعادة توزيع القطاعات الاستراتيجية داخل الأغلبية الجديدة. وإذا استمر تدبيرها في دائرة «الأحرار»، فقد يعكس ذلك رغبة في الحفاظ على استمرارية السياسات والبرامج القائمة.

لكن في الحالتين، ستبقى القراءة السياسية مرتبطة بما ستعلنه الأغلبية من توجهات وبرامج، وليس بمجرد هوية الوزير أو الحزب الذي ستؤول إليه الحقيبة.

بين التجديد والاستمرارية

المعادلة المطروحة لا تبدو إذن مجرد صراع على حقيبة وزارية، وإنما تعكس سؤالاً أوسع: هل تتجه الحكومة المقبلة إلى الحفاظ على استمرارية السياسات الفلاحية، أم إلى إدخال تعديلات في طريقة تدبير القطاع وأولوياته؟

وهو سؤال ستكون الإجابة عنه مرتبطة بالبرنامج الحكومي أكثر مما ستكون مرتبطة باسم الوزير.

فوزارة الفلاحة تواجه في المرحلة المقبلة ملفات ثقيلة، من بينها تدبير ندرة المياه، تعزيز الأمن الغذائي، دعم الفلاحين، وتطوير سلاسل الإنتاج والتسويق. وبالتالي، فإن أهمية الحقيبة لا تكمن فقط في موقعها داخل هندسة الحكومة، بل في حجم الملفات التي ستكون مطروحة على طاولتها.

الخلاصة

تضع مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة وزارة الفلاحة ضمن دائرة الاهتمام السياسي، في ظل رغبة محتملة لدى مكونات مختلفة في الحصول على حقائب استراتيجية تعكس أوزانها الجديدة داخل البرلمان.

وبين طموح «البام» في تعزيز حضوره داخل القطاعات الاقتصادية، وارتباط «الأحرار» تاريخياً بتدبير قطاع الفلاحة، تتحول هذه الوزارة إلى واحدة من أبرز نقاط التفاوض التي يمكن أن تكشف طبيعة التوازن داخل الأغلبية المقبلة.

ومع ذلك، فإن الحسم لن يكون في صالح هذا الطرف أو ذاك إلا بعد الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية. فالمعيار النهائي لن يكون فقط: من حصل على وزارة الفلاحة؟ وإنما أيضاً: بأي برنامج ستُدار، وما الذي ستتغير فيه، وما الذي سيستمر؟