هندسة الحكومة المرتقبة بالمغرب.. توازنات «السيادة» ومخاض توزيع الحقائب الاستراتيجية
الرباط – تدخل مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع اعتبارات الكفاءة التدبيرية مع حسابات التوازن السياسي بين مكونات الأغلبية المحتملة.
ومع اقتراب لحظة الكشف عن التشكيلة الحكومية، يتجه الاهتمام إلى طبيعة توزيع الحقائب الوزارية، خصوصاً تلك المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. وبين الرغبة الحزبية في ترجمة الوزن الانتخابي إلى حضور داخل الجهاز التنفيذي، والحاجة إلى الحفاظ على استمرارية بعض القطاعات الحساسة، تتشكل ملامح مفاوضات لا تحسمها الأرقام وحدها.
وزارات السيادة.. الاستمرارية قبل المحاصصة
تظل قطاعات مثل الداخلية، والشؤون الخارجية، والدفاع، والأمانة العامة للحكومة ذات خصوصية كبيرة داخل هندسة الدولة المغربية، بالنظر إلى ارتباطها بملفات استراتيجية تتصل بالأمن والدبلوماسية واستمرارية المؤسسات.
وبحكم الممارسة السياسية المغربية، لا تخضع هذه القطاعات بالضرورة لمنطق التوزيع الحزبي المباشر كما هو الحال بالنسبة إلى عدد من الوزارات القطاعية.
ولهذا، فإن الحفاظ على الاستمرارية والخبرة المتراكمة يظل عاملاً أساسياً عند النظر في مستقبل هذه الحقائب، خصوصاً في ظل ملفات إقليمية ودولية معقدة تتطلب قدراً كبيراً من الخبرة المؤسساتية.
الاقتصاد والفلاحة.. قلب المعركة التفاوضية
إذا كانت بعض القطاعات تحكمها اعتبارات الاستمرارية، فإن وزارات أخرى تبدو أكثر ارتباطاً بالحسابات السياسية للأغلبية.
وتبرز في مقدمتها وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الفلاحة، بالنظر إلى حجم تأثيرهما في السياسات العمومية والاستثمار والمالية العمومية والتنمية الاقتصادية.
وزارة الفلاحة.. بين الاستمرارية وإعادة توزيع النفوذ
تحتفظ وزارة الفلاحة بأهمية سياسية واقتصادية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها بالأمن الغذائي، والتنمية القروية، وتدبير الموارد المائية، ودعم الاستثمار والإنتاج الفلاحي.
كما أن ارتباط القطاع خلال السنوات الماضية بحزب التجمع الوطني للأحرار، وبشخصية عزيز أخنوش قبل توليه رئاسة الحكومة، يجعل مستقبل هذه الحقيبة محل اهتمام خاص في أي مفاوضات حول التشكيلة الحكومية المقبلة.
وفي المقابل، يمكن أن تدفع التحولات داخل الخريطة البرلمانية الجديدة أحزاباً أخرى، خصوصاً الأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى المطالبة بحضور أقوى في القطاعات الإنتاجية والاقتصادية.
وبالتالي، فإن النقاش لا يتعلق فقط بمن سيتولى الوزارة، وإنما أيضاً بالاتجاه الذي ستسلكه السياسة الفلاحية خلال المرحلة المقبلة.
المالية والقطاعات الاجتماعية.. اختبار الأولويات
تفرض وزارة الاقتصاد والمالية نفسها باعتبارها إحدى أهم مفاتيح تنفيذ البرنامج الحكومي، خصوصاً في ظل ارتفاع حجم الالتزامات المرتبطة بالدولة الاجتماعية والاستثمار العمومي والإصلاحات الاقتصادية.
كما ستكون قطاعات التربية والتعليم والتشغيل والإدماج الاقتصادي والصحة وغيرها أمام رهانات اجتماعية كبيرة، ما يجعلها محط اهتمام مختلف مكونات الأغلبية.
فالأحزاب لا تبحث فقط عن حقائب وازنة من الناحية الرمزية، وإنما عن مواقع تمكنها من ترجمة برامجها الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة.
وزارة العدل.. حقيبة ذات وزن سياسي
تحتل وزارة العدل موقعاً خاصاً في أي مفاوضات حكومية، بالنظر إلى ارتباطها بالإصلاحات التشريعية ومنظومة العدالة والقوانين المنظمة لعدد من المجالات الحقوقية سياسية، خصوصاً بالنسبة إلى الأحزاب التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل الحكومة المقبلة وإثبات وزنها في الملفات والمؤسساتية.
ومن ثم، فإن إسناد هذه الحقيبة لا يخلو من دلالة سياسية، خصوصاً بالنسبة إلى الأحزاب التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل الحكومة المقبلة وإثبات وزنها في الملفات ذات الطبيعة المؤسساتية.
أما الحديث عن حصول حزب بعينه على الوزارة، فيبقى رهيناً بمخرجات المشاورات والاتفاقات النهائية، ما لم يصدر بشأنه موقف رسمي.
رئاسة مجلس النواب.. ورقة أخرى في معادلة التوازن
لا تتوقف هندسة المرحلة المقبلة عند تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى المؤسسة التشريعية، وفي مقدمتها رئاسة مجلس النواب.
فالتوازن بين الحكومة والأغلبية البرلمانية يتطلب توزيعاً دقيقاً للمواقع والمسؤوليات، وقد تصبح ر الأمر دائماً بمنطق «المقايضة» المباشرة، بقدر ما يرتبط بإيجاد صيغة تحققئاسة الغرفة الأولى جزءاً من التفاهمات السياسية بين مكونات الأغلبية.
وفي مثل هذه المفاوضات، لا يتعلق الأمر دائماً بمنطق «المقايضة» المباشرة، بقدر ما يرتبط بإيجاد صيغة تحقق أكبر قدر ممكن من التوازن بين الأحزاب، وتحافظ على تماسك الأغلبية داخل البرلمان.
التكنوقراط والأحزاب.. معادلة دقيقة
يبقى السؤال الأبرز: إلى أي حد ستعتمد الحكومة المقبلة على الكفاءات السياسية، وأين يمكن أن يحضر التكنوقراط؟
الإجابة ستكشف جانباً مهماً من فلسفة الحكومة الجديدة.
فالحضور الحزبي القوي يمنح الحكومة سنداً سياسياً وبرلمانياً، بينما يمكن للكفاءات ذات الخلفية التقنية والإدارية أن توفر خبرة متخصصة في القطاعات التي تتطلب معرفة دقيقة بملفاتها.
ومن هنا، قد لا يكون التحدي في الاختيار بين «السياسي» و«التكنوقراطي»، وإنما في تحقيق التوازن بين الشرعية السياسية والكفاءة التدبيرية.
الخلاصة
هندسة الحكومة المقبلة لا تبدو مجرد عملية لتوزيع الحقائب، بل اختباراً حقيقياً لقدرة مكونات الأغلبية على بناء توازن بين الوزن الانتخابي، والكفاءة، والاستمرارية، ومتطلبات المرحلة الاقتصادية والاجتماعية.
وبين القطاعات ذات الطبيعة السيادية، والوزارات الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل مجالاً للتنافس الحزبي، ستكشف التشكيلة النهائية عن طبيعة الاتفاق السياسي الذي ستقوم عليه الحكومة.
وفي النهاية، لن تكون أهمية الحكومة في عدد الحقائب التي يحصل عليها كل حزب، وإنما في مدى انسجام الفريق الحكومي، ووضوح برنامجه، وقدرته على تحويل التوافقات السياسية إلى نتائج ملموسة للمواطنين.