جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

ليس مجرد حبة.. لماذا تتفاوت أسعار القمح في الأسواق العالمية؟

على مائدة واحدة قد يجتمع رغيف خبز وطبق من المكرونة وقطعة من الكعك، ورغم أن جميعها تُصنع من القمح، فإن نوعية الحبوب المستخدمة في كل منتج تختلف، وكذلك أسعارها في الأسواق العالمية.

ولا يرتبط هذا التفاوت بمظهر الحبة وحده، بل بمجموعة من الخصائص التي تشمل نسبة البروتين، وخصائص الغلوتين، وقدرة القمح على إنتاج الدقيق، إلى جانب عوامل أخرى مثل حجم المحصول والطلب وتكاليف النقل والتأمين.

وتنعكس هذه العناصر على أسعار القمح المتداول في البورصات العالمية ومقصورات التداول، من شيكاغو إلى باريس، حيث لا يُتعامل مع القمح باعتباره سلعة متجانسة ذات سعر واحد، وقد يصل الفارق بين بعض الأنواع إلى نحو 150 دولارًا للطن.

تحديات مقارنة أسعار القمح في الأسواق العالمية

لا يوجد سعر واحد يمثل كل القمح الذي تصدره دولة بعينها. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ينشر المجلس الدولي للحبوب أسعارًا منفصلة لأنواع متعددة، من بينها القمح الشتوي الأحمر الصلب والشتوي الأحمر اللين والربيعي.

كما أن مقارنة الأسعار تتطلب معرفة ما يشمله السعر. فقد يكون السعر خاصًا بالقمح وحده، أو يتضمن تكاليف الشحن البحري، وقد تضاف إليه تكلفة التأمين.

وتختلف تكلفة التأمين بدورها وفقًا لنطاق التغطية، ما يجعل المستورد بحاجة إلى احتساب التكلفة النهائية لوصول الشحنة، بما في ذلك تكاليف النقل والمصاريف الإضافية المرتبطة بميناء التصدير.

وفي 12 سبتمبر/أيلول 2026، بلغت تقديرات شحن الحبوب إلى اليابان بواسطة سفن باناماكس نحو 77 دولارًا للطن من موانئ الخليج الأمريكي، مقابل 38 دولارًا من موانئ شمال غرب الولايات المتحدة المطلة على المحيط الهادي.

خريطة الأسعار العالمية.. القمح الأمريكي في الصدارة

بحسب رصد الأسعار الوارد في نشرة وزارة الزراعة الأمريكية خلال سبتمبر/أيلول 2026، تصدر القمح الأمريكي الشتوي الأحمر الصلب، بنسبة بروتين تبلغ 11.5%، الأصناف المختارة للمقارنة بسعر 354 دولارًا للطن من موانئ الخليج الأمريكي.

وجاء القمح الكندي الأحمر الربيعي الغربي، بنسبة بروتين 13.5%، في المرتبة التالية بسعر 323 دولارًا للطن، تلاه القمح الأسترالي الأبيض الممتاز بسعر 319 دولارًا، وفق متوسط الأسعار في كوينانا ونيوكاسل وبورت أديلايد.

وبلغ سعر القمح الفرنسي من الدرجة الأولى 290 دولارًا للطن، في حين سجل قمح الطحن الروسي من البحر الأسود 210 دولارات.

أما القمح الأوكراني، فأوردت نشرة “هامرسميث” في 12 سبتمبر/أيلول 2026 سعرًا يتراوح بين 220 و225 دولارًا للطن للقمح الذي تبلغ نسبة البروتين فيه 11.5%، وذلك لشحنات تتجاوز 30 ألف طن. وفي النشرة نفسها، تراوح سعر القمح الروسي، بنسبة بروتين 12.5%، بين 210 و215 دولارًا للطن، ضمن فترة شحن تمتد من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول.

وتستند هذه المقارنات إلى سعر القمح محملًا على السفينة في ميناء التصدير، قبل إضافة تكاليف الشحن البحري والتأمين، وهو ما يعرف بمصطلح “فوب” (FOB).

ووفق غرفة التجارة الدولية، يتولى المشتري في هذا النوع من التعاقد ترتيب النقل البحري ودفع تكلفته، ولذلك يختلف سعر التصدير عن التكلفة النهائية التي يتحملها المستورد حتى وصول الشحنة إليه.

الجودة تحدد السعر.. لماذا يدفع المشتري أكثر؟

يرتبط تحديد قيمة القمح بالمنتج النهائي الذي يرغب المصنع في إنتاجه. وتشير هيئة الحبوب الكندية إلى أن القمح الأحمر الربيعي الغربي يتميز بقدرته على إنتاج كميات مرتفعة من الدقيق مع انخفاض محتوى الشوائب، وهو ما يعد أحد مؤشرات تقييم الدقيق.

كما يتمتع هذا النوع بقدرة مرتفعة على امتصاص الماء، وينتج عجينًا يجمع بين القوة وقابلية التمدد، ما يجعله مناسبًا لإنتاج خبز القوالب ذي الحجم الكبير.

وأظهرت نتائج فحص المحصول الكندي لعام 2025 أن نحو 91% من القمح الأحمر الربيعي الغربي صُنّف ضمن أعلى درجتين للجودة، في حين بلغ متوسط محتوى البروتين في المحصول 13.8%.

ولا تكفي نسبة البروتين وحدها للحكم على جودة القمح، إذ تؤثر خصائص الغلوتين أيضًا في تماسك العجين وقابليته للتمدد وأدائه خلال عمليات التصنيع.

كما أن نسبة البروتين قد تبدو مختلفة بحسب طريقة احتسابها، لأن الماء يدخل ضمن وزن الحبوب. وكلما ارتفعت نسبة الرطوبة، بدا تركيز البروتين أقل، من دون أن يعني ذلك انخفاض كمية البروتين في المادة الجافة. لذلك، ينبغي مقارنة النتائج على أساس نسبة رطوبة موحدة.

ولا تعرض المصادر نتائجها دائمًا وفق مستوى الرطوبة نفسه؛ إذ تقدم هيئة الحبوب الكندية نتائجها على أساس رطوبة تبلغ 13.5%، بينما تعرض جمعية القمح الأمريكية نطاق بروتين القمح الأبيض اللين على أساس رطوبة تبلغ 12%.

من المكرونة إلى الكعك.. المنتج النهائي يحدد نوع القمح

تتطلب صناعة المكرونة مواصفات مختلفة عن تلك المطلوبة لإنتاج الخبز. وتشير هيئة الحبوب الكندية إلى أن قمح الديورم الكهرماني الغربي يتميز بإنتاج حبيبات ذات جودة أعلى لصناعة المكرونة، مع انخفاض الشوائب الداكنة وارتفاع الصبغات الصفراء المطلوبة للحصول على لون المنتج.

ورغم أن ارتفاع محتوى الديورم من البروتين والغلوتين يساعد في دعم جودة المكرونة أثناء الطهي، فإنه لا يمثل العامل الوحيد في تقييم القمح، إذ تؤثر سلامة الحبوب أيضًا في تصنيفها التجاري.

ويظهر ذلك في محصول الديورم الكندي لعام 2025، الذي بلغ متوسط محتوى البروتين فيه 14.7%، بينما أسهمت أضرار الحشرات واسمرار الحبوب والعفن في خفض تصنيفه، وفق هيئة الحبوب الكندية.

أما في صناعة الكعك والحلويات، فتختلف المواصفات المطلوبة. فالقمح الأبيض اللين الأمريكي منخفض البروتين يتميز بغلوتين ضعيف وخصائص تساعد على إنتاج قوام لين، وهي خصائص تختلف عن تلك المطلوبة للدقيق المستخدم في إنتاج الخبز كبير الحجم.

وفي أستراليا، تصف مؤسسة “غرينز أستراليا” القمح الأبيض الممتاز بأنه مناسب لأنواع من النودلز والخبز المسطح، بينما يناسب القمح الأسترالي الصلب، الأعلى من حيث نسبة البروتين، مجموعة من أنواع الخبز الأوروبي والشرق أوسطي والمنتجات المطهوة على البخار.

لماذا تنخفض أسعار القمح الروسي والأوكراني؟

لا تفسر المواصفات وحدها انخفاض أسعار بعض عروض البحر الأسود، إذ ربطت وزارة الزراعة الأمريكية تراجع أسعار القمح الروسي في نشرة سبتمبر/أيلول بتراكم الإمدادات وتقييد مسارات التصدير، في وقت ارتفعت فيه أسعار مصادر أخرى كانت شحناتها أكثر إتاحة للمشترين.

ويظهر تأثير هذه العوامل عند مقارنة سعر القمح في بلد التصدير بالتكلفة النهائية لوصوله إلى المستورد.

ففي 28 أغسطس/آب 2026، بلغ سعر القمح الذي يحتوي على 12.5% من البروتين، شاملاً الشحن والتأمين إلى مصر، 314 دولارًا للطن، بزيادة تقارب 100 دولار على السعر المرجعي لقمح الطحن. وجاء هذا الفارق في ظل تعطل طرق الإمداد وصعوبة تأمين مسارات بديلة لنقل الحبوب.

ودفعت هذه العقبات المتعاملين إلى البحث عن منافذ أخرى؛ إذ اتجهت شحنات أوكرانية إلى السكك الحديدية وميناء كونستانتسا، بينما لجأ متعاملون في القمح الروسي إلى موانئ البلطيق.

نسبة استخراج الدقيق.. عامل آخر في حسابات المطاحن

بعد وصول القمح إلى المطحنة، يتحول التركيز إلى كمية الدقيق التي يمكن استخراجها منه. فكلما ارتفعت نسبة الاستخراج، احتاجت المطحنة إلى كمية أقل من القمح لإنتاج الكمية المطلوبة من الدقيق، وبالتالي انخفضت التكلفة.

وقدّر خبير الطحن بيتر لويد أن تحسن نسبة استخراج الدقيق من القمح بمقدار نقطة مئوية واحدة يوفر نحو 4.50 دولارات للطن.

ولتحقيق توازن بين التكلفة والجودة، تلجأ المطاحن أحيانًا إلى مزج أنواع مختلفة من القمح. فقد يُخلط القمح الشتوي الأحمر اللين بالقمح الربيعي الصلب أو الشتوي الصلب، بهدف خفض تكلفة الخليط وتحسين قوام الخبز من الداخل.

ويتيح هذا الأسلوب للمطحنة الاستفادة من خصائص أكثر من نوع من القمح للوصول إلى المواصفات المطلوبة للدقيق، دون الحاجة إلى شراء جميع احتياجاتها من النوع الأعلى سعرًا.

هل يحتفظ القمح الأغلى بموقعه دائمًا؟

لا تظل خريطة أسعار القمح ثابتة، كما لا يحتفظ النوع الأعلى سعرًا بموقعه بالضرورة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، كان القمح الأمريكي الربيعي الصلب أعلى سعرًا من الشتوي الصلب، لكن العلاقة انعكست في رصد سبتمبر/أيلول 2026، عندما أصبح الشتوي أغلى من الربيعي.

كما تتغير خصائص المحصول من موسم إلى آخر، بما في ذلك محتوى البروتين. فقد سجل التقرير الكندي متوسط بروتين للقمح الأحمر الربيعي الغربي بلغ 14.1% عام 2024، مقابل 13.8% عام 2025.

ولهذا لا يعتمد المشترون على اسم الصنف أو سمعته فقط، بل يعيدون تقييم الخيارات مع كل موسم حصاد. فقد تتقدم بعض درجات القمح في الأسعار وتتراجع أخرى، وقد يجد المصنع بديلًا أكثر ملاءمة لما استخدمه في الموسم السابق.

وفي النهاية، تظل خريطة أسعار القمح العالمية قابلة للتغير، لأن قيمة الطن لا تحددها الحبة وحدها، وإنما مزيج من الجودة والخصائص الفنية، وتكاليف النقل والتأمين، وتوافر الإمدادات والطلب عليها، وقدرة المطحنة على استخراج الدقيق.

ويبقى السؤال الذي يحسم قرار الشراء: هل مواصفات القمح تستحق السعر الذي سيدفعه المشتري؟