جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

يحب القفز ويهرب من الضوضاء.. كيف يفهم الآباء لغة الطفل الحسية؟

قد يضع طفل يديه على أذنيه عند تشغيل خلاط الطعام، ثم يطلب بعد دقائق التأرجح بسرعة في الحديقة. وربما يحب العناق، لكنه يرفض ارتداء قميص معين لأن ملمسه يزعجه. ورغم أن هذه التصرفات قد تبدو متناقضة، فإنها تعكس اختلاف استجابة الطفل للأصوات واللمس والحركة، ليس فقط من حاسة إلى أخرى، وإنما أيضًا من موقف إلى آخر.

وتدعو لورا بيتيكس، اختصاصية العلاج الوظيفي للأطفال ومؤلفة كتاب “الشفرة الحسية”، الآباء والأمهات إلى مراقبة سلوك أطفالهم بعين “المحقق الحسي”، من خلال طرح أسئلة حول الأحاسيس التي يبحث عنها الطفل أو يتجنبها، والظروف التي يتغير فيها سلوكه.

الفرق بين الاستجابة والاحتياج الحسي

يتلقى الدماغ معلومات من البصر والسمع واللمس والشم والتذوق، إلى جانب الحواس المرتبطة بالتوازن والحركة ومعرفة موضع الجسم وإدراك الإشارات الداخلية، مثل الجوع والعطش. وتساعد معالجة هذه المعلومات الطفل على التفاعل مع محيطه وأداء أنشطته اليومية.

وتشير الاستجابة الحسية إلى السلوك الذي يمكن ملاحظته عندما يتعرض الطفل لمؤثر معين، كأن يغطي أذنيه عند سماع جرس، أو يرفض ملمس طعام معين، أو يكرر القفز. أما الاحتياج الحسي فيشير إلى ما قد يساعده في تلك اللحظة، مثل خفض مستوى الصوت، أو الجلوس في مكان هادئ، أو الحصول على فرصة آمنة للحركة.

وتوفر الاستجابة الحسية دليلًا على ما يواجهه الطفل، لكنها لا تكشف وحدها سبب السلوك أو ما يحتاج إليه تحديدًا.

وجميع الأطفال لديهم تفضيلات واستجابات حسية، شأنهم في ذلك شأن البالغين. غير أن هذه الاختلافات تستدعي مزيدًا من الاهتمام عندما تؤثر في قدرة الطفل على التعلم أو اللعب أو تناول الطعام أو ارتداء ملابسه أو المشاركة في أنشطته المعتادة، سواء كان لديه تشخيص نمائي أم لا.

هل ترتبط الاختلافات الحسية بالتوحد وحده؟

تظهر الاختلافات الحسية بشكل شائع لدى الأطفال المصابين بالتوحد، لكنها لا تقتصر عليهم، إذ يمكن أن تظهر أيضًا لدى أطفال يعانون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو لدى أطفال لا يحملون أي تشخيص نمائي.

وفي دراسة سكانية شملت 25 ألفًا و627 طفلًا مصابًا بالتوحد، وثقت سجلات طبية اختلافات في الاستجابة للمؤثرات الحسية لدى 74% منهم.

ولا تعني هذه النسبة أن انزعاج الطفل من صوت أو ملمس معين يشير بمفرده إلى إصابته بالتوحد.

لماذا يحب الطفل العناق ويرفض ملمس ملابسه؟

ترى بيتيكس أن وصف الطفل بأنه “باحث عن التحفيز الحسي” أو “متجنب له” قد يحجب تفاصيل مهمة عن احتياجاته الفردية.

وتوضح أن ابنتها، على سبيل المثال، تحب العناق والاقتراب الجسدي، لكنها تنزعج من الأشياء اللزجة أو المبللة ومن بعض أنواع الملابس. وقد يحب طفل آخر الجري والتأرجح، في حين يجد صعوبة في تحمل الأصوات المرتفعة.

لذلك، قد يكون السؤال الأكثر فائدة للأهل هو: أي إحساس يريح الطفل وأي إحساس يزعجه؟

فقد يرفض الطفل اللمس المفاجئ، لكنه يطلب العناق عندما يكون مستعدًا له، أو ينزعج من صوت مجفف اليدين بينما لا يتضايق من الموسيقى. كما يمكن أن تتغير قدرته على تحمل المؤثرات الحسية بحسب مستوى التعب وما مر به خلال اليوم.

كيف تؤثر الاختلافات الحسية في الحياة الدراسية؟

في فصل دراسي مزدحم، قد يجد الطفل صعوبة في التركيز على كلام المعلم وسط أحاديث زملائه، بينما قد يحتاج طفل آخر إلى الحركة بعد الجلوس لفترة طويلة، فيبدو وكأنه غير منتبه للدرس.

وفي دراسة قارنت 28 طفلًا مصابًا بالتوحد بـ51 من أقرانهم، ارتبطت صعوبة التركيز على الأصوات المهمة وسط الضوضاء، والبحث المتكرر عن أحاسيس مثل الحركة، بنتائج دراسية أضعف لدى الأطفال المصابين بالتوحد. غير أن الدراسة رصدت ارتباطًا لدى عينة محدودة، ولم تثبت أن الاختلافات الحسية تسببت في ضعف التحصيل الدراسي.

كما قد تختلف استجابة الطفل للمؤثرات بحسب المكان. فقد رصدت دراسة شملت 90 طفلًا تفاوتًا في بعض الاستجابات الحسية بين المنزل والفصل الدراسي، استنادًا إلى ملاحظات الأهل والمعلمين.

ولهذا، إذا عاد الطفل من المدرسة منهكًا أو منفعلاً، فقد يكون من المفيد سؤال المعلم عما واجهه خلال اليوم، إلى جانب ملاحظة ما يحدث في المنزل.

وتشير بيتيكس إلى أن تراكم الأصوات والازدحام خلال اليوم الدراسي قد يساعد في تفسير بعض نوبات الانفعال بعد العودة إلى المنزل، لكنه ليس التفسير الوحيد؛ فقد يكون الطفل جائعًا أو متعبًا أو قلقًا، أو يكون قد مر بموقف أزعجه في المدرسة.

ما علاقة الحساسية الحسية بالقلق؟

قد يترافق الانزعاج الشديد من الأصوات أو الملامس مع صعوبات أخرى، من بينها القلق ومشكلات النوم.

وفي دراسة تابعت أطفالًا في سن ما قبل المدرسة، ارتبطت الاستجابة المفرطة للمؤثرات الحسية بارتفاع أعراض القلق لاحقًا عند بلوغ سن السادسة. كما وجد الباحثون أن 43% من أطفال ما قبل المدرسة الذين ظهرت لديهم هذه الاستجابة كانوا يعانون أيضًا، وقت التقييم، اضطرابات قلق مؤثرة في حياتهم.

ولا تعني هذه النتائج أن الحساسية الحسية تؤدي حتمًا إلى القلق، لكنها تشير إلى أهمية النظر إلى الصورة الكاملة عندما تتكرر معاناة الطفل، مثل الخوف من مواقف معينة، أو اضطراب النوم، أو تجنب أنشطة كان يستمتع بها سابقًا.

كيف يمكن مساعدة الطفل؟

يمكن للأهل البدء بتسجيل ملاحظات بسيطة على مدى عدة أيام: ماذا حدث قبل استجابة الطفل؟ ماذا فعل؟ وما الذي ساعده بعدها؟

فإذا كان الطفل يغطي أذنيه كلما رن جرس معين، يمكن تجربة تقليل تعرضه للصوت أو توفير مكان هادئ له. وإذا كان يجد صعوبة في الجلوس بعد يوم طويل، يمكن ملاحظة أثر الحصول على استراحة للحركة قبل بدء أداء الواجبات.

وتوصي خدمات العلاج الوظيفي بربط هذه التعديلات بالمواقف التي تؤثر فعليًا في مشاركة الطفل في المنزل أو المدرسة.

وتقترح بيتيكس أيضًا مراقبة ما يفعله جسم الطفل نفسه. فالطفل الذي يعصر قميصه أو يمزق الورق قد يستفيد من توفير شيء آمن يمكنه الضغط عليه أو تمزيقه، بينما قد يحتاج الطفل الذي ينسحب ويختبئ إلى الهدوء وإضاءة أقل.

وتبقى هذه الأفكار قابلة للتجربة ومراقبة أثرها، وليست حلولًا مناسبة لجميع الأطفال.

ومع تقدم الطفل في العمر، يمكن إشراكه في فهم ما يحدث من خلال سؤالين بسيطين: “ما الذي تلاحظه؟” و”ماذا تحتاج؟”. وقد تساعده عبارات مثل “الصوت عالٍ بالنسبة إليّ” أو “أحتاج إلى استراحة” على طلب المساعدة قبل أن يشتد شعوره بالانزعاج.

متى يحتاج الطفل إلى تقييم متخصص؟

إذا تكرر انزعاج الطفل من الأصوات أو الملامس أو غيرها من المؤثرات، وأصبح يؤثر في نومه أو طعامه أو دراسته أو أنشطته اليومية، فمن المفيد استشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي العلاج الوظيفي.

ويمكن للتقييم أن يساعد في فهم ما يواجهه الطفل في المنزل والمدرسة، والنظر في صحته ونموه وأي أسباب محتملة أخرى، ثم تحديد سبل مساعدته، مثل تمكينه من تناول الغداء في المدرسة براحة أكبر أو المشاركة في نشاط جماعي.

وقد تبدأ المساعدة بتعديلات بسيطة في البيئة المنزلية أو المدرسية، مثل توفير مكان هادئ أو إتاحة فترات للحركة. أما علاج التكامل الحسي، فهو تدخل متخصص لا تزال الأدلة على فائدته العامة محدودة.

وفي تجربة عشوائية شملت 138 طفلًا مصابًا بالتوحد ويعانون صعوبات حسية، لم يحقق العلاج نتائج أفضل من الرعاية المعتادة في قياس السلوك بعد ستة أشهر أو سنة، رغم أن بعض الأهالي والمعالجين لاحظوا تحسنًا في أهداف يومية محددة.

لذلك، إذا تلقى الطفل هذا النوع من العلاج، فمن المهم الاتفاق مع المختص على هدف واضح ومتابعة مدى مساعدته في تحقيق ذلك الهدف.

وفي النهاية، لا يحتاج الأهل إلى تفسير كل سلوك من المحاولة الأولى؛ إذ يكفي البدء بملاحظة ما يزعج الطفل وما يريحه، وسؤاله عما يشعر به قدر استطاعته، لمساعدته تدريجيًا على فهم احتياجاته والتعبير عنها.