جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

حين يطغى «البوز» على القضايا الحقيقية.. هل تحوّل النقاش العمومي إلى مطاردة للتفاصيل؟

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً لتشكيل الرأي العام، باتت بعض التفاصيل العابرة قادرة على احتلال مساحة واسعة من النقاش العمومي، بينما تتراجع في المقابل قضايا أكثر ارتباطاً بحياة المواطنين ومستقبل البلاد.

ولعل الجدل الذي رافق تداول لقطة عفوية مرتبطة بالسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وما رافقه من نقاش واسع على منصات التواصل وبعض برامج البودكاست، يقدم مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فبدلاً من التعامل مع الواقعة باعتبارها تفصيلاً عابراً، جرى تضخيمها وتحويلها إلى مادة للتحليل والتأويل، وكأنها قضية سياسية تستوجب كل هذا الاهتمام.

المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بحق الأفراد في التعبير عن آرائهم، ولا بمدى قبولهم أو رفضهم لمشهد معين، وإنما تتعلق بالسؤال الأهم: لماذا تمنح تفاصيل عابرة كل هذه المساحة، بينما تتوارى خلفها قضايا تمس بشكل مباشر حياة المغاربة؟

ففي الوقت الذي ينشغل فيه جزء من النقاش العام بتفكيك لقطة قصيرة وتحليل الإشارات والتعبيرات، تظل ملفات الماء والتعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والتنمية المجالية في حاجة إلى نقاش جاد، قائم على المعطيات والأرقام وتقييم السياسات العمومية.

عندما يصبح «البوز» أولوية

تكمن خطورة ظاهرة «البوز» في أنها لا تكتفي بإنتاج محتوى سريع الاستهلاك، بل تساهم أحياناً في إعادة ترتيب أولويات النقاش العام. فالمحتوى الأكثر إثارة واستفزازاً غالباً ما يكون الأسرع انتشاراً، بينما تحتاج القضايا المعقدة إلى وقت وجهد لفهمها ومناقشتها.

وهكذا قد تصبح لقطة عابرة أكثر جذباً للمشاهد من تقرير معمق حول حصيلة قطاع حكومي، وقد تحظى السخرية من موقف قصير بتفاعل أكبر من نقاش يبحث في أسباب البطالة أو اختلالات التعليم أو التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام وصناع المحتوى على حد سواء. فحرية التعبير تظل حقاً أساسياً، لكن ممارسة هذا الحق لا تعني بالضرورة تحويل كل تفصيل شخصي أو عابر إلى قضية رأي عام.

كما أن النقد السياسي الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مطاردة للأشخاص أو البحث عن معانٍ خفية في كل حركة أو تعبير تلقائي، وإنما يفترض أن ينصب على الأداء والقرارات والنتائج والحصيلة.

من يراقب السياسات العمومية؟

المواطن في حاجة إلى إعلام يطرح الأسئلة التي تصنع الفرق: ماذا تحقق في مجال التعليم؟ أين وصلت إصلاحات قطاع الصحة؟ ما حجم التقدم في معالجة البطالة؟ كيف يمكن حماية القدرة الشرائية؟ وما الذي تحقق فعلياً في مجال العدالة المجالية والتنمية المتوازنة؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحتل صدارة النقاش العمومي، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس ومستقبلهم.

أما اختزال السياسة في مقاطع قصيرة ومواقف عابرة، فإنه يهدد بتحويل النقاش العام من فضاء للمساءلة والمراقبة إلى فضاء للاستهلاك السريع والانفعال.

الخوارزميات جزء من المشكلة

لا يمكن أيضاً فصل هذه الظاهرة عن طبيعة عمل منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحظى المضامين التي تثير الغضب أو السخرية أو الاستقطاب بفرص أكبر للانتشار، مقارنة بالمحتوى الهادئ الذي يحتاج إلى تركيز ووقت حتى يُفهم.

وفي ظل السباق على المشاهدات والإعجابات، يصبح الطريق الأسهل هو التقاط مشهد مثير، وصياغة عنوان صادم، ثم انتظار موجة التفاعل.

لكن اختزال المسؤولية في الخوارزميات وحدها سيكون تبسيطاً للمشكلة. فجزء من المسؤولية يقع أيضاً على عاتق الإعلام والنخب الثقافية والسياسية وصناع المحتوى، الذين يفترض أن يساهموا في الارتقاء بمستوى النقاش، لا في تكريس ثقافة الاستسهال.

فامتلاك منصة أو ميكروفون لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة الكافية لتقديم قراءة متوازنة، كما أن ارتفاع الصوت لا يعني بالضرورة قوة الحجة.

الحاجة إلى إعلام يعيد ترتيب الأولويات

ما يحتاجه المغرب اليوم هو إعلام مهني قادر على المراقبة والمساءلة وكشف الاختلالات، ونخب قادرة على إنتاج نقاش عمومي جاد، ومحتوى يستطيع منافسة الإثارة من خلال جودة المضمون وقوة الفكرة.

المطلوب ليس تقييد التعبير أو منع الناس من التعليق على الأحداث، وإنما إعادة الاعتبار إلى قيمة المعلومة والتحليل والحجة، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات دائمة للاستهلاك والانفعال.

فليس كل ما يحصد ملايين المشاهدات يستحق أن يتحول إلى قضية وطنية، وليس كل مقطع قصير قادراً على اختزال شخصية أو مسار سياسي أو حصيلة مسؤول.

لقد أصبح من الضروري استعادة مكانة العقل في النقاش العمومي، وتقديم التحليل على الانفعال، والمعلومة على الإشاعة، والحجة على الصراخ.

فالأوطان لا تقاس بعدد «الترندات» التي تصنعها، وإنما بقدرتها على تحويل النقاش العام إلى وسيلة للمساءلة والاقتراح والإصلاح.

أما «البوز»، مهما علا صوته وانتشر صداه، فسيظل عابراً، بينما تبقى القضايا الحقيقية قائمة تنتظر من يملك الشجاعة والجدية لفتحها ومناقشتها.

الوطن أكبر من لقطة، والسياسة أكبر من «بوز»، والعقل العمومي أكبر من أن يُختزل في مشهد عابر.