شهادة من وراء السطور.. تعيين المنصوري ي تتولى هذا المنصب في المغرب وفق المعطيات الواردة في المقال، اهتماماًفتح نقاشاً حول التحول السياسي ومسار المغرب الديمقراطي
قراءة سياسية
أثار الحديث عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب وفق المعطيات الواردة في المقال، اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً، خصوصاً في ظل ما يحمله الحدث من رمزية مرتبطة بحضور المرأة في مواقع القرار وبالتحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي.
وفي هذا السياق، تناولت صحيفة «لو كانار أونشيني» (Le Canard Enchaîné) الحدث في عددها الصادر في 7 أكتوبر 2026، مركزة على ما اعتبرته جوانب مرتبطة بكواليس السلطة وترتيبات المشهد السياسي المغربي.
وبعيداً عن زاوية الصحيفة وأسلوبها المعروف في تناول القضايا السياسية، يمكن قراءة هذا الاهتمام الإعلامي من منظور أوسع، باعتباره انعكاساً للاهتمام الخارجي بالتحولات التي يعرفها المغرب، وبكيفية تفاعل المؤسسات مع نتائج الاستحقاقات الانتخابية والتغيرات التي يشهدها المجتمع.
ويكتسي وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، في حال استكمال المسار المؤسساتي المرتبط بذلك، أهمية رمزية خاصة، بالنظر إلى ما يمثله من تطور في حضور المرأة داخل مواقع المسؤولية السياسية والتنفيذية. كما أن الحدث يفتح النقاش حول طبيعة التحولات التي عرفتها المشاركة السياسية للمرأة المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن المسار السياسي والمؤسساتي الذي عرفه المغرب خلال العقود الماضية، حيث شهدت البلاد إصلاحات دستورية ومؤسساتية، إلى جانب توسيع حضور النساء في عدد من مواقع المسؤولية والتمثيلية السياسية.
أما قراءة الأمر باعتباره تجسيداً لتقاطع الإرادة الانتخابية مع توجهات الدولة، فتحتاج إلى التمييز بين النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع وبين الاختصاصات الدستورية للمؤسسات المختلفة. فالممارسة الديمقراطية تقوم على احترام نتائج الانتخابات، وفي الوقت نفسه على اشتغال المؤسسات وفق القواعد والاختصاصات التي يحددها الدستور والقانون.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في شخص رئيسة الحكومة أو في رمزية تعيين امرأة في هذا المنصب، وإنما يجب أن يمتد إلى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل هذا التطور السياسي إلى سياسات عمومية ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.
كما أن اهتمام الصحافة الأجنبية بالمشهد المغربي يطرح سؤالاً آخر يتعلق بصورة المغرب خارجياً، ومدى قدرة المملكة على تقديم نموذج سياسي يجمع بين الاستقرار المؤسساتي ومواصلة الإصلاحات وتوسيع المشاركة في الحياة العامة.
غير أن تقييم المسار الديمقراطي لا يتم فقط من خلال الرمزية المرتبطة بتعيين شخصية سياسية معينة، وإنما أيضاً من خلال مؤشرات أكثر عمقاً، من بينها قوة المؤسسات، وفعالية البرلمان، واستقلالية العمل السياسي، وشفافية الانتخابات، وحرية النقاش العمومي، وقدرة الحكومة على الاستجابة لمطالب المجتمع.
ومن هنا، فإن وصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي يمثل خطوة رمزية مهمة، لكن التحدي الأكبر يبقى في مضمون التجربة ونتائجها، وفي مدى قدرتها على تعزيز الثقة في المؤسسات وإعطاء معنى عملي للمشاركة السياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن التحولات السياسية لا تقاس فقط بما تثيره من اهتمام في الخارج، وإنما بما تتركه من أثر داخل المجتمع. وإذا كان تعيين المنصوري يشكل محطة بارزة في مسار حضور المرأة المغربية في مواقع القرار، فإن نجاح التجربة سيقاس بما ستقدمه الحكومة من أج وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، وفق المعطيات الواردة، نقاشاً يتجاوز رمزية تولي امرأة لهذا المنصب، ليطرح أسئلة حول تطور الممارسة السياسية المغربية، وقوة المؤسسات، ومستوبة على الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وبمدى قدرتها على ترجمة الانتظارات الشعبية إلى سياسات وقرارات.