الصناعة السينمائية خارج أولويات الأحزاب السياسية في انتخابات 2026
كشفت البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المشاركة في استحقاقات 2026 عن حضور محدود للصناعة السينمائية، التي ظلت خارج دائرة الأولويات لدى عدد من القوى السياسية، مقابل غيابها بشكل كامل عن برامج أخرى.
وفي وقت ركزت فيه معظم الأحزاب على ملفات ذات طابع اجتماعي واقتصادي، في مقدمتها التعليم والصحة والشغل والشباب، لم تحظ السينما والثقافة بالمستوى نفسه من الاهتمام، رغم الدور الذي باتت تلعبه الصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصاد وخلق فرص الشغل وتعزيز صورة المغرب.
ويبرز هذا التفاوت بشكل أكبر لدى الأحزاب التي سبق لها أن تولت تدبير قطاعات حكومية مرتبطة بالثقافة والشأن الفني خلال الولاية المنتهية، إذ لم تتحول التجربة الحكومية إلى التزامات انتخابية واضحة بشأن مستقبل الصناعة السينمائية، سواء على مستوى دعم الإنتاج أو تطوير البنيات التحتية أو تعزيز تنافسية القطاع وتأهيل تجهيزاته.
السينما غائبة عن عدد من البرامج
ويشكل حزب الأصالة والمعاصرة أحد الأمثلة البارزة في هذا السياق، بالنظر إلى توليه تدبير قطاع الثقافة خلال السنوات الخمس الماضية، بما يشمل عدداً من الملفات المرتبطة بالشأن الفني والصناعة السينمائية ودعمها.
ورغم ذلك، لم يتضمن برنامجه الانتخابي، وفق المعطيات المتاحة، التزامات واضحة أو تعاقدات محددة للنهوض بالصناعة السينمائية أو الرفع من جودة القطاع وتطوير بنياته.
كما لا تزال مجموعة من الأوراش المرتبطة بالقطاع في حاجة إلى الاستكمال، من بينها مشروع تطوير شبكة القاعات السينمائية، الذي كان يستهدف إحداث 150 قاعة، بينما تم تجهيز 110 قاعات إلى حدود الآن، بحسب المعطيات الواردة في الموضوع.
وفي المقابل، لم تقدم غالبية الأحزاب الأخرى تصورات مفصلة بشأن مستقبل السينما، ما يعزز موقع هذا القطاع ضمن الملفات الثقافية الأقل حضوراً في البرامج الانتخابية.
أولويات اجتماعية على حساب الثقافة
ويعكس هذا الوضع تفاوتاً واضحاً في ترتيب الأولويات داخل البرامج الانتخابية، إذ حظيت القطاعات الاجتماعية والاقتصادية باهتمام أكبر، خصوصاً التعليم والصحة والتشغيل والشباب، مع تقديم التزامات أكثر تفصيلاً بشأنها.
أما الثقافة والصناعة السينمائية، فبقي حضورهما محدوداً في عدد من التصورات الانتخابية، رغم أن القطاع السينمائي لا يقتصر على الإنتاج الفني، بل يرتبط بسلسلة اقتصادية تضم الإنتاج والتوزيع والاستغلال والقاعات والخدمات التقنية والموارد البشرية، إضافة إلى ارتباطه بالصناعات الثقافية والإبداعية.
تحالف اليسار يخصص مساحة أكبر للسينما
وفي مقابل محدودية حضور السينما في عدد من البرامج، خصص تحالف اليسار حيزاً أكثر وضوحاً للصناعة السينمائية ضمن برنامجه الانتخابي، من خلال مقترحات تستهدف تطوير البنيات التحتية وتعزيز حضور الثقافة في مختلف المناطق.
ويقترح التحالف إنشاء شبكة من قاعات السينما العمومية وفضاءات للعروض بمختلف الأقاليم، إلى جانب الرفع التدريجي لميزانية الثقافة لتصل إلى 1 في المئة من الميزانية العامة في أفق 2031، مقابل أقل من 0.3 في المئة حالياً، وفق ما أورده البرنامج.
كما ينظر التحالف إلى السينما باعتبارها قطاعاً ثقافياً واقتصادياً في الوقت نفسه، إلى جانب مجالات أخرى مثل الموسيقى والنشر والألعاب الرقمية، ويربط تطوير هذه الصناعات بقدرتها على خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد الإبداعي.
وفي هذا الإطار، يقترح توفير تمويلات ومحفزات هيكلية لفائدة المؤسسات الثقافية الصغرى والمتوسطة، بهدف توسيع قاعدة الفاعلين في القطاع والحد من تمركز الإنتاج الثقافي في أيدي فئات محدودة.
شفافية أكبر في الدعم
وفي ما يتعلق بآليات الدعم وتحسين وضعية الفنانين والمهنيين، يدعو تحالف اليسار إلى اعتماد آليات أكثر شفافية في تدبير الملفات، من خلال إسناد دراستها إلى لجان مستقلة، ووضع معايير معلنة، ونشر لوائح المستفيدين وقيمة الدعم الممنوح بشكل إلزامي.
كما يطرح التحالف مراجعة طريقة دعم المهرجانات السينمائية، منتقداً ما يعتبره استمراراً لمنطق الريع في هذا المجال، ومقترحاً اعتماد قواعد أكثر وضوحاً وربط الدعم بمعايير موضوعية وقابلة للتقييم.
ولا يقف التصور عند حدود الإنتاج السينمائي، إذ يشدد البرنامج على تحسين الوضع الاجتماعي للفنانين والمهنيين، عبر تفعيل التغطية الصحية والتقاعد، وإقرار عقود نموذجية وحد أدنى للأجور في القطاع الفني، إلى جانب تعزيز حماية حقوق المؤلف وتحديث المكتب المغربي لحقوق المؤلفين.
الحركة الشعبية: الثقافة رافعة للتنمية
من جهته، يتعهد حزب الحركة الشعبية، ضمن برنامجه الانتخابي المعنون بـ«التعاقد الحركي»، بدعم الإنتاج السينمائي والسمعي البصري، وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية والرقمية.
ويضع الحزب الثقافة والإبداع ضمن الرافعات التي يمكن أن تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تطوير البنيات الثقافية وتعزيز المبادرات الجهوية.
كما يقترح مواصلة تطوير المسارح والمتاحف والمكتبات وفضاءات الإبداع، وتقوية المبادرات الثقافية على المستوى الجهوي، بما يساهم في تقريب العرض الثقافي من المواطنين وجعله أكثر حضوراً في الحياة اليومية لمختلف الأسر والفئات والمناطق.
قطاع يبحث عن موقع في البرامج السياسية
وتطرح البرامج الانتخابية لسنة 2026 سؤالاً أوسع حول موقع الثقافة والصناعة السينمائية في السياسات العمومية المقبلة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه السينما عالمياً نحو التحول إلى صناعة متكاملة تجمع بين الإبداع والاستثمار والتكنولوجيا وخلق فرص العمل، لا تزال مكانة القطاع في الخطاب الانتخابي المغربي متفاوتة من حزب إلى آخر.
وبين غياب السينما عن بعض البرامج وحضورها المحدود في أخرى، مقابل مقترحات أكثر تفصيلاً لدى بعض القوى السياسية، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قادرة على تطوير الإنتاج، وتوسيع شبكة القاعات، وتحسين ظروف اشتغال المهنيين، وتعزيز الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية.
فمستقبل السينما المغربية لا يرتبط فقط بعدد الأفلام المنتجة، وإنما بقدرة القطاع على بناء منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة، تمنح المبدعين والمهنيين فرصاً أفضل، وتضمن للجمهور عرضاً سينمائياً متنوعاً ومتاحاً بمختلف جهات المملكة.