قانون الجنسية الإسبانية يعيد ملف الصحراء إلى واجهة التجاذبات السياسية في مدريد
أعاد تصويت مجلس النواب الإسباني على مشروع قانون يهدف إلى تسهيل حصول فئات من الصحراويين على الجنسية الإسبانية ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في مدريد، في خطوة أثارت اهتماما بالنظر إلى ارتباطها بالإرث التاريخي لإسبانيا في المنطقة وبالتوازنات السياسية الداخلية التي تحكم مواقف الأحزاب الإسبانية.
وحظي مشروع القانون بتأييد 168 نائبا، مقابل 31 صوتا رافضا و147 امتناعا عن التصويت، في نتيجة تعكس استمرار التباين داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية بشأن كيفية التعامل مع ملفات مرتبطة بالماضي الاستعماري لإسبانيا وتداعياته القانونية والسياسية.
ويستند المشروع إلى خلفية تاريخية تعود إلى فترة الإدارة الإسبانية للصحراء، إذ يقترح فتح مسار خاص أمام فئات من الصحراويين المولودين خلال تلك المرحلة للاستفادة من الجنسية الإسبانية، مع امتداد بعض المقتضيات إلى أبنائهم، وفق الشروط التي يحددها النص.
ولا ينص المشروع، من الناحية القانونية، على تغيير الموقف الرسمي الإسباني من قضية الصحراء المغربية أو إقرار وضع سياسي جديد للمنطقة، غير أن مناقشته داخل البرلمان أعادت طرح تساؤلات بشأن حدود استحضار الإرث الإسباني للصحراء داخل المؤسسات التشريعية، ومدى إمكانية انتقال بعض الملفات الحقوقية والتاريخية إلى دائرة التجاذب السياسي الداخلي.
حسابات حزبية خلف المشروع
وتكشف خريطة التصويت عن تباين لافت بين القوى السياسية الإسبانية؛ فالحزب الاشتراكي، الذي سبق أن أبدى تحفظات على المبادرة خلال مراحل سابقة من مسارها، انتهى إلى دعمها، في حين اختار الحزب الشعبي الامتناع عن التصويت، بينما صوت حزب «فوكس» ضد المشروع.
ويرى العربي النص، الخبير العسكري والعضو السابق في جبهة البوليساريو، أن مشروع القانون لا يرتبط بالتطورات السياسية الحالية بشكل مباشر، موضحا أنه طُرح منذ سنوات، قبل تشكيل الحكومة الحالية، بعدما تقدم به حزب «بوديموس» خلال الولاية الحكومية السابقة، قبل أن يعاد تقديمه لاحقا من طرف «سومار»، المشارك في الائتلاف الحكومي.
وأوضح النص، في تصريح صحافي، أن التحولات التي عرفها مسار المشروع ترتبط أساسا بالموازين الداخلية بين الأحزاب والحكومة الإسبانية، مشيرا إلى أن الحزب الاشتراكي حاول خلال مرحلة مناقشته مراعاة الانعكاسات المحتملة للقرار على العلاقات مع المغرب، قبل أن يجد نفسه أمام حسابات الائتلاف الحكومي الذي يعد «سومار» أحد مكوناته.
وأضاف أن هذه الحسابات أدت إلى حالة من «المد والجزر» داخل الكواليس السياسية، وهو ما ساهم في إبطاء المسار التشريعي للمشروع وإبقائه رهينا بالتوازنات الحزبية.
وبخصوص موقف الحزب الشعبي، اعتبر النص أن تحوله من الدفاع عن المبادرة إلى الامتناع عن التصويت يعكس بدوره طبيعة التجاذب السياسي الداخلي، لافتا إلى أن الحزب كان قد قدم نفسه في مرحلة سابقة باعتباره داعما للمشروع، قبل أن تتغير حساباته السياسية مع تغير مواقف الاشتراكيين ودخول «سومار» إلى الحكومة.
وأشار الباحث إلى أن هذا التباين ظهر خلال مناقشة المشروع داخل لجنة العدل، حيث حاول الحزب الشعبي إدخال تعديلات اعتبرها منتقدوها كفيلة بإفراغ النص من جزء من مضمونه، قبل أن ينتهي الأمر إلى الامتناع عن التصويت.
وشدد النص على أن المسار التشريعي للمشروع لم ينته بعد، إذ يتعين استكمال مراحل أخرى قبل دخوله حيز التنفيذ، رغم تجاوزه مرحلة مهمة داخل مجلس النواب.
توقيت حساس في العلاقات المغربية الإسبانية
وتكتسب التطورات أهمية إضافية بسبب تزامنها مع بلاغ صادر عن وزارة الخارجية المغربية، تضمن انتقادات لبعض المواقف السياسية والإعلامية الإسبانية، مع التأكيد في المقابل على أهمية الحفاظ على علاقات حسن الجوار والشراكة بين الرباط ومدريد.
ويرى مراقبون أن تزامن التطورين يعيد إلى الواجهة حساسية الملفات المرتبطة بالصحراء داخل العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصا منذ إعلان مدريد، في أبريل 2022، دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.
وفي المقابل، فإن اعتماد قانون يتعلق بالجنسية لا يعني، من الناحية القانونية، تراجعا عن الموقف الرسمي الإسباني من قضية الصحراء، لكنه يبرز استمرار حضور ملفات ذات صلة بالتاريخ الاستعماري لإسبانيا داخل النقاش السياسي والحقوقي في البلاد.
الجنسية بين البعد القانوني والحسابات السياسية
ويرى العربي النص أن التعامل مع المشروع من زاوية سياسية محضة قد يؤدي إلى تضخيم دلالاته، مذكرا بأن إسبانيا سبق أن اعتمدت ترتيبات قانونية خاصة لفئات ترتبط تاريخيا بها، من بينها مواطنو دول في أمريكا اللاتينية واليهود السفارديم وسكان غينيا الاستوائية.
ويؤكد أن إمكانية حصول الصحراويين المستوفين للشروط القانونية على الجنسية الإسبانية لا تعني بالضرورة تبنيهم موقفا سياسيا أو انفصاليا، مشيرا إلى أن ازدواجية الجنسية مسألة يسمح بها القانون المغربي في إطار الشروط المعمول بها.
كما يرفض الخبير التعامل مع الصحراويين باعتبارهم «انفصاليين مفترضين» لمجرد استفادتهم المحتملة من القانون، معتبرا أن دوافع الحصول على الجنسية قد تكون مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية أو بحقوق الإقامة والعمل، وليس بالضرورة بمواقف سياسية.
وبحسب هذه القراءة، فإن خلفية المشروع تعود إلى مسار تشريعي بدأ قبل سنوات، فيما يرتبط تطوره بدرجة كبيرة بالتوازنات داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية الإسبانية.
مخيمات تندوف في صلب النقاش
من جهته، يرى السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة «صحراويون من أجل السلام»، أن المشروع قد تكون له انعكاسات تتجاوز الجانب القانوني المتعلق بالجنسية، خصوصا بالنسبة إلى الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف.
وقال رحال إن منح الجنسية لفئات مولودة خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء وأبنائها يندرج، من وجهة نظره، ضمن سياسة «الذاكرة التاريخية» التي سبق لإسبانيا أن اعتمدت بعض صورها تجاه سكان مستعمراتها السابقة.
واعتبر أن دخول القانون حيز التنفيذ قد يمنح المستفيدين الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية فرصة للاستفادة من حقوق مرتبطة بالجنسية الإسبانية، بما في ذلك إمكانية التنقل والإقامة، وهو ما قد تكون له انعكاسات على وضعية سكان مخيمات تندوف.
ويرى المتحدث أن هذه الخطوة قد تفتح أيضا نقاشا حول تركيبة سكان المخيمات وأعداد الصحراويين المنحدرين فعليا من الأقاليم الصحراوية، غير أن الأرقام التي أوردها بشأن عدد المستفيدين المحتملين وتركيبة سكان المخيمات تبقى، وفق ما ورد في تصريحه، تقديرات تحتاج إلى التحقق من مصادرها ومعايير احتسابها.
وأضاف رحال أن المشروع قد يساهم، من وجهة نظره، في تخفيف بعض الأوضاع الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها سكان المخيمات، معتبرا أن أي تطور من هذا النوع يمكن أن يدعم البحث عن تسوية سياسية للنزاع.
بين الإرث التاريخي والشراكة مع الرباط
ويضع مشروع القانون الإسباني ملف الجنسية أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة، تتحرك مدريد داخل إطار قانوني مرتبط بإرثها التاريخي في المنطقة، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على شراكة استراتيجية مع المغرب تشمل ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة.
وبذلك، لا يبدو أن مشروع القانون يشكل في حد ذاته تحولا في الموقف الرسمي الإسباني من قضية الصحراء المغربية، بقدر ما يكشف استمرار حضور الملف في التجاذبات السياسية والقانونية داخل إسبانيا.
ويبقى الأهم في المرحلة المقبلة هو استكمال المسار التشريعي للمشروع، ورصد مدى تأثيره الفعلي على المستفيدين المحتملين، وكذلك على النقاش السياسي الإسباني والعلاقات المغربية الإسبانية، في ظل تمسك مدريد بالشراكة مع الرباط واستمرار حضور قضية الصحراء في النقاش الداخلي الإسباني.